وتعاونوا على البر والتقوى
بقلم : محمد عبدالحكيم القاضي
ذكرتُ في الحلقة الثانية من مقالي (الثقة : ضوابطها ونواقضها) أن (علماء الحديث على أنَّ حديث المجهول لا يعتد به ما دمنا لا نعرف حال راويه من الثقة . وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى ، وخالف ابن عبدالبر وابن حبان فوثّقا المجهول حتى يثبت جرحه – معتمدين على حديث : (يحمل هذا العِلْم من كل خَلْفٍ عُدُوله)…الخ .
ثم وصلتني بعد ذلك رسالة من الأخ محمد العربي بالرياض – السعودية يستدرك فيها عَلَيَّ بأن ابن عبدالبر يصرح في مؤلفاته بأن رواية المجهول لا تعد حُجَّة ، وذكر مواضع من كتبه ، ثم يطلب أن يُبَيَّن له من أين أتيتُ بهذا النص .
وأنا – أوَّلا – أحمد الله إليه لهذا الاستدراك والفائدة التي ساقها الله على يديه – بارك الله عليه .
فأما عن مَصْدَري في ذلك فهو ابن الصلاح (التقييد والإيضاح) ولم يتعقبه الحافظ العراقي . ثم نقل عنه ابن كثير قوله هذا ، ولم يستدرك عليه ، إلا أنه وقّف صحة ما ذهب إليه ابن عبدالبر – على ما فهم ابن الصلاح – على صحة الحديث ، ثم استبعد صحته أو غلب عدمها ، وهذا نص ابن كثير (الباعث – شاكر /78) :
[قال ابن الصلاح : وتوسع ابن عبدالبر ، فقال : كل حامل علم معروف العناية به فهو عَدْلٌ ، محمولٌ أمره على العدالة ، حتى يتبين جرحه ؛ لقوله – عليه الصلاة السلام – (يحمل هذا العِلْم من كل خَلْفٍ عُدُوله) . قال : وفيما قاله اتساع غير مرضيّ] والله أعلم . قلت : [لو صَحَّ ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قويا ، ولكن في صحته نظرٌ قوي ، والأغلب عدم صحته . والله أعلم] أهـ كلامه رحمه الله .
وهذا النص الماضي عن ابن عبدالبر نقله الحافظ العراقي في شرحه لألفيته المسمى (فتح المغيث) ص6 – بعد الإشارة إليه في الألفية : (البيتان 265،266) .
غير أن الأخ الأستاذ محمد العربي لفتني إلى النظر في كتب ابن عبدالبر ، فرأيت ما يلي :
1- أنه يصرِّح – كما قال الأخ – بنقد رواية المجهول وردِّها :
قال في سعيد بن سلمة : (التمهيد 16/217) : أما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه – فيما علمتُ – إلا صفوان بن سليم – والله أعلم … ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عندهم .
وقال في ابن عبدالله بن مغفل (الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف) [منيرية 2/159] (وأما ابن عبدالله بن مغفل فلم يرو عنه أحد إلا أبو نعامة قيس بن عبابة – فيما علمت – و[منَ] لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم . والمجهول لا تقوم به حجة .
2- أن جماعة من أهل العلم نقلوا عنه ذلك! مثل الشوكاني في (الارشاد /53) ومثله أو نحوه نقل السيوطي في التدريب 1/317 .
3- أن هذه الألفاظ التي اطلعتُ عليها بما فيها منْ تخالُف من حيث الظاهر تحتاج إلى مجهودٍ للتعايش معها على ضوء دراسة عن ابن عبدالبر المحدِّث ، وخبرة بكتبه المختلفة ، ومصادر القدامى في النقل عنه ، وهي – وإن كانت مهمة – ليست في طَوْقي الآن ، وليت أخانا يشاركنا ، ويسوق لنا من معارفه .
4- أن ذكر ابن عبدالبر يدور في كتب العلماء بالنسبة لهذه الجزئية في موضعين :
– في موضع الحديث عن مفهوم المجهول .
– وفي موضع ضوابط ارتفاع الجهالة .
ولشدة القرب بينهما فالخلط بين رأي الرجل في كل واحدة منهما غير بعيد . ولذلك يحتاج الأمر إلى فرز كلام ابن عبدالبر في كل واحدة منهما على حدَة . والله أعلم .
وأختم هذه الأسطر بشكر إخواننا القائمين على مجلة التوحيد ، والأخ الكريم الأستاذ محمد العربي راجياً أن يكتب الله لنا عملاً مقبولاً آمين .
محمد عبدالحكيم القاضي


