والله لا يرضى الحسين بذلك
بقلم الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال
ظهر هذا الإعلام في جريدة الأخبار المصرية بتاريخ 15 من جمادى الآخرة سنة 1400هـ 30 من أبريل سنة 1980م في أخبار المجتمع: (الشيخ… نائب عموم السادة البرهانية محافظة أسوان، وخادم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني يهنئه بسلامة الوصول إلى أرض مصر أرض سيدنا ومولانا الإمام الحسين رضى الله عنه. فقد جعل أرض مصر أرض الحسين رضى الله عنه.، وبهذا التعبير المشعر بالغلو: (أرض سيدنا ومولانا)، وذلك على عادة الصوفية في تقسيم الأرض بين كبار شخصياتهم الذين ماتوا، وسموهم بالأقطاب، وقد يجعلون منهم بعض الأئمة من آل البيت رضى الله عنهم ثم يجعلون كل قسم من أرض الله بما فيه من الناس ومختلف الأحياء تحت ملكية وتصرف هذا القطب، وأن ما يجد ويحدث، في القسم الذي اختص به أو هيمن عليه، إنما هو بتصرفه وأمره، إما حال الغضب ويكون بالشر، وإما في حال الرضى ويكون بالخير، ومع أن الله سبحانه وتعالى قال: (( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [الأعراف: 128].
فالله سبحانه وتعالى أعطى لنا هنا أن ملكية الأرض له وحده، وكذلك التصرف فيها. وفيه ما فيه من اختصاصه جل شأنه بهذا كما ينطق بذلك قوله: ((إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)) و ((يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)) فهي له فقط، لأنه هو الذي يتصرف فيها أي تصرف، ويورثها لمن يشاء من عباده الأحياء(1)، كما قال: ((لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)) [الشورى: 12].
وكما قال: ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)) [البقرة: 255].
فهل بلغ من شأن المخلوق حتى ولو كان نبياً مرسلاً، أو ملكاً مقرباً أن يتصرف في خلق الله، وفي كونه على الطريقة، التي يقسم بها الصوفية الأرض بين أبدال الصوفية أو أوتادهم، ويجعلون لهم ديواناً يجمعهم اسمه (الديوان العام) عندما يريدون التشاور، أو تبادل الرأي، ولهم رئيسهم الذي يجتمعون تحت رئاسته وهم أموات، فيوجههم، ويرجعون إليه فيما يتصرفون في أركانهم من الأرض، وفي الأحياء فيها؟!! وقد يبلغ تصرفهم ذلك بعض أجزاء السماء، أو بعض جوانب الكون فيما بين السموات والأرض! ولعمري كيف يجوز في العقل، وفي ميزان أصحاب النظر السليم والدين الصحيح، أن يتصرف الأموات في الأحياء؟! إن هذا نهاية التخريف وغاية اللعب بعقول العوام،والسذج، وناقصي الدين.
لقد قال الله سبحانه في الملائكة – وهم أحياء – : ((ِبَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ*لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ*يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ*وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(29)) [الأنبياء: (26-29)]. فهذا تهديد لمن يقول بالألوهية من دون الله في الأحياء، فكيف بهؤلاء الصوفية المخرفين يجعلونها في الأموات!؟ وفي الواقع فإن هؤلاء الناس الكرام الذين رضوا عن الله، ورضي الله عنهم من أمثال الإمام الحسين رضى الله عنه، يلعنون هؤلاء الذين يغلون فيهم،ويوصلونهم إلى درجة الألوهية، لأنهم أول الناس إيماناً بقوله تعالى: ((إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)) [مريم: 93]، وأنهم بكمال إيمانهم كملت معرفتهم بالله سبحانه وتعالى وبدرجتهم التي هم عليها من كمال العبودية لله وأنهم عباد الله وعبيده في موقف الخشية والرهبة دائماً، وأنهم لا يدرون ما يُفعل بهم، وأنهم أول من يدخل في قوله تعالى: ((مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)) [هود: 56] – إنهم بهذا الإيمان الكامل يبرءون إلى الله مما ينسب هؤلاء إليهم ومما يغلون فيهم.
وأقول لهؤلاء المشايخ، إن هذا الغلو من جانبهم تأليه لهؤلاء العباد الصلحاء. وقد يجر إلى عبادتهم بالفعل مستقبلاً، فإن الإسلام يحدثنا أن عبادة الأصنام والأوثان في قوم نوح، وفي العرب أيضاً إنما تطورت عن الغلو في تعظيم قوم صلحاء، وفي البناء عليهم بعد موتهم وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ((قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا*وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا*وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)) [نوح: (21-23)]. فقد روى البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما تعليقاً على هذه الآية: (


