الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

هل البنك فقير حتى نقرضه ؟!

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

اقتصاد إسلامي
هل البنك فقير حتى نقرضه ؟!
د. على السالوس
أستاذ الاقتصاد الإسلامي

يعجب كثير من الناس عندما يسمعون أن ودائع البنوك أو شهادات الاستثمار تعتبر قرضًا ، فالقرض إنما يكون للفقير المحتاج ، والمودع أو صاحب شهادة الاستثمار قد يكون هو الفقير الذي ادخر أموالا قليلة بشق الأنفس للانتفاع بها في وقت آخر ، أو لأى سبب من الأسباب ، فكيف يقرض البنك صاحب الملايين ؟!
ويعترض بعض أهل العلم على جعل هذه الوادئع والشهادات من باب القرض ، لأن القرض عقد إرفاق ، والمتعاملون مع البنوك هنا إنما يريدون الإيداع والاستثمار ، وليس الرفق بالبنوك والإحسان إليها .
وعامة الناس معذورون ، وخاصتهم قد يعذرون وقد لا يعذرون . وقبل أن أحاول إزالة هذه الشبهة أضع أما القارئ المسلم ما يأتي :
بعد أن قُتِلَ الزبير بن العوام – رضي الله عنه – ترك من بعده مالاً كثيرًا وفيرًا ، ووجدوا عليه دينا كبيرًا ! وقد أشار إلى هذه التركة وهذا الدين الإمام البخاري في صحيحه ، وكثير غيره كما ذكر الحافظ في الفتح :
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7 – 250) :
(وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدًا ، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله ، فلما قُتِلَ وجدوا عليه من الدين ألفى ألف ومائتي ألف ، فوفوها عنه ، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ، ثم قسمت التركة بعد ذلك ، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا الف درهم … فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف ) .
معنى هذا أن تركة الزبير – رحمه الله ورضي عنه – كانت كالآتي :
مجموع الديون مليونان و200 ألف .
نصيب الزوجات الأربع 4 ملايين و800 ألف ، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات (ثمن التركة) فتكون التركة المقسمة على الورثة 38 مليونا و400 ألف وهذا يعادل الثلثين حيث أوصى بالثلث ومقداره 19 مليونًا و200 ألف وبهذا تكون التركة بعد الديون 57 مليونا و600 ألف درهم وهنا يرد هذا السؤال :
من يملك هذه الثروة الضخمة كيف يستدين هذا الدين ؟ .
ولنقرأ معًا ما جاء في صحيح البخاري : (إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير : لا ، ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة ) .(راجع صحيح البخاري – كتاب فرض الخمس – باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا ، مع النبي صلي الله عليه وسلم وولاة الأمر ) مما رواه الإمام البخاري نرى أن الذين جاءوا بهذه الأموال أرادوا حفظها عند الزبير ، أي أن تكون وديعة ، فطلب منهم أن تكون سلفًا لا وديعة وذكرنا الفرق بين الوديعة والقرض : فالوديعة لا يضمنها المودع لديه والقرض يضمنه المقترض ، ولذلك قال الزبير : فإني أخشى عليه الضيعة ، أي أنه طلب أن يكون ضامنًا للمال باعتباره قرضًا . ويقابل هذا الضمان أن يكون من حقه الاستفادة من هذا المال المقترض ، فيخلطه بماله في التجارة وغيرها ، أما الوديعة فتبقى كما هي لا يستفاد منها .
ونترك تركة الزبير ودينه مؤقتًا ونأتي إلى حكم من الأحكام الفقهية وهو (إقراض الولى مال اليتم) : مما جاء تحت هذا العنوان في معجم الفقه الحنبلي (2/ 1076) : لا يجوز للولى إقراض مال اليتيم إذا لم يكن فيه حظ له ، فمتى أمكن الولى التجارة به ، أو تحصيل عقار له فيه الحظ لم يقرضه ، وإن لم يكن ذلك وكان في إقراضه حظ لليتيم جاز . ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مثلا مال يريد نقله إلى بلد آخر ، فيقرضه لرجل ليقضيه بدله في البلد الآخر ، بقصد حفظه من الغرر في نقله ، أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو نحوهما ، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته ، أو يكون حديثه خيرًا من قديمه كالحنطة .
فإن لم يكن فيه حظ وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز . وإن أراد الولى السفر ، لم يكن له المسافرة بمال اليتيم ، وإقراضه حينئذ لثقة أمين أولى من إيداعه ، لأن الوديعة لا تضمن .. ولا يجوز قرضه إلا لملئ – أي غني – أمين .
من هذا يتضح أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض ، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض ، والمراد الإيداع ، غير أن الوديعة لا تضمن ففضل الإقراض لغنى أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني .
لعل من المثلين يتضح المراد ، فلم يكن الزبير فقيرًا يستقرض ، بل كان من أصحاب الملايين ، له ممتلكات في المدينة والعراق ومصر وغيرها ، وأراد المودعون حفظ أموالهم لا الرفق بالزبير ، وتحول العقد من وديعة إلى قرض ، فكل عقد له ما يميزه عن غيره ، وإقراض مال اليتيم لحفظه أيضًا ، فهو لمصلحة اليتيم لا لمصلحة الملئ الغني .
وما دام العقد عقد قرض فلا يحل أخذ زيادة على رأس المال وإلا كان من ربا النسيئة .
فمن أراد الإيداع لحفظ المال مع الضمان فالإيداع هنا قرض مضمون ، كإقراض المودعين للزبير ، وإقراض مال اليتيم ل

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا