الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

نفحات قرآن

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

نفحات قرآن
بقلم بخارى أحمد عبده

الركيزة الثالثة (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً)[69 التوبة]

لا زلنا نصعد (أصعد في الأرض مضى) ونصب الأعين آياتنا تلك التي تقرر أن المسلم – مهما اعتل – في رباط مع القادرين أوخلف القادرين ما دام فيه عرق يفصح عن قدرة أوفضل قوة أوفيض حيلة (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[91 التوبة] ولقد مضينا – ونحن نغذ (نغذ السير وفيه نسرع) في السير نحوالآية الرائدة – عبر آيات تذروالخير وتشد العضد وتجري بالمؤمنين يسرا يسرا إلى حيث الآيات التي تواكب بأنوارها سيرهم وتحفهم بأعطافها حتى يستقر بهم حول مناهلها الثواء
عبر آيات تقفك وقفات متمعنة على إدراك الماديين حيث تتبين قسماتهم وتبصر مساقطهم وتربأ بنفسك عن مثالبهم
والقرآن بعد ذلك يغري المؤمنين بالتزام الجادة فلا يخوضون المخاض ولا يحتذون مثال الضالين ويستقبلك القرآن بصورة بينة الملامح بشعة المصير (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[التوبة 69] ولأهمية هذه الصورة يحيل القرآن عنقك نحوها ويشد انتباهك بالالتفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المواجهة والخطاب (من قبلكم) (.. أشد منكم ..) (فاستمتعتم بخلاقكم) (وخضتم)
ثم بالعودة إلى أسلوب الغيبة ثانية (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[التوبة 70]
وفي هذا الالتفات البلاغي مزيد إثارة للمؤمنين حتى يعوا ويتحصنوا بالقيم العليا التي تكفل وضوح الرؤية وصحة المسيرة وصلاح الدارين ومن منطلق كل القيم العليا التي يغري بها المؤمن تتحقق صلابة التصدي لأهل الضعة من منافقين وكافرين حتى يحسم الداء ويفرض على الأعداء الذلة والصغار
هكذا يضرب القرآن للمسلمين مثلا اليهود والنصارى مارسوا حظهم من الدين والتزموا بمقدار ثم خاضوا في آيات الله وحرفوا وبدلوا وضيعوا وابتدعوا والخطاب موجه – على الأرجح – للمسلمين أخذا بما روى في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟
واستخدام صيغة الماضي (فاستمتعتم) (وخضتم) فوق أنه يفيد حتمية التحقق يوحي بأن ذلك وشيك الوقوع ولقد أحس ابن عباس رضي الله عنهما بأن الأمر يوشك أن يبيتهم فصاح منزعجا [ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم]
وصدق الله ورسوله فقد خضنا مبكرين في مباءات الفتن وخضنا مبكرين في أسباب الدنيا وخضنا في قضايا الدين بهوى المارقين وغفلة الأنعام وتعقبنا الشياطين حتى جاوزنا الضحضاح الضحل وغشينا الأعماق وأشرفنا على الاختناق (وخضتم كالذي خاضوا)
ووحدة الصنيع تؤذن بوحدة المصير وتنذر بخسران الدنيا والآخرة (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
وأولئك الخاسرون كانوا أقوياء ببنيتهم وازدادوا قوة بما أوتوا وبما ولدوا وبدل أن يرصدوا عوائد هذه القوى ذخرا للدارين أهدروها وأسرفوا في المتع وشربوا حتى الثمالة
فانحرفوا سكرى إلى متاهات شيطانية مودية
وأجيالنا بريادة الماديين المترفين وبتبعية المستضعفين الامعات تسعى – مثل أولئك – إلى حتوفها بأظلافها وتبتكر وهي في سكرتها وسائل الدمار المادية والمعنوية التي تعصف بالأمن وتنشر التوتر وتشيع الشقاء
والقرآن بعد ذلك يجرد من التاريخ أمما قد خلت أخذوا لما أخلدوا إلى الأرض واستغنوا بحظ العاجلة وأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[70 التوبة] وهؤلاء جميعا أتيحت لهم قوى وأنعم عليهم بنعم فهل أسرعت بهم قواهم إذ بطأ بهم عملهم ؟ وإذا كان ذلك مآل من منحوا مزيدا من قوة ومن مال وولد فكيف بغيرهم ؟
والله ترشيدا لل

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا