نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى :-
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:183-185]
النفحات التي تزجيها هذه الآيات نفحات ذات شجون (1)، وهي وإن خيلت (بالبناء للمجهول) مشرقة، مغرية، أو تبدت للرائين منتشرة ، متفرقة – حلقات يمسك بعضها بحجز بعض، وتدور كلها – من قريب ، أو من بعيد -حول المحاور الخلاقة التي استبانت لنا منذ الوقفة الأولي، وتعينت أصولاً، ومعالم تحدد المسار، وتشي بالغاية.
ولقد وقفنا – في المقال الماضي – وقفة متأنية حيال مقدسات الإسلام الزمانية، والمكانية، وعرضنا للتفاعل المهيب الذي ينتظم الإنسان المؤمن، والمقدسات، ورأينا آثار ذلك التفاعل جلاء للبصائر، وتزكية للأفئدة، وتنشيطاً للدورة الإيمانية في الكيان، وتجديداً لقوي الروح، وتقوية لمعنويات الداعية حتى يدعو من مركز مطمئن، مرموق متجاوباً مع استعدادات زمانه، ومكانه، بأسلوب يوفق، ويحقق الانسجام بين حقائق الإسلام الثابتة وبين مطالب الظروف – الزمانية – والمكانية – المتغايرة ، وأحجام الناس المتفاوتة.
والداعية الذي لا يعي الحقائق، ولا يقدر الظروف، ولا يستبين الأحجام، داعية يصرخ – كما يقولون – في واد ، وينفخ رماد، وينعق بما لا يفهم (بالبناء للمجهول) هو داعية أصم ، أعمي ، مشلول.
(الثرى والثريا)
واستطرد مرة أخرى (2) معتذراً وقبل أن أضع النقط على الحروف – فأعود إلى “الظروف” الزمانية والمكانية، والواقعية التي تلابس حياة الإنسان فتؤثر، وتغير، وتعلي، وتخفض، وتبني وتهدم عسي أن يكون الحديث المستفيض هدي لفئات تعيش على هامش الزمان، والمكان، دون أن يبلوا الواقع، أو يقدروا الظروف، ذيولاً أو نفايات تحت السنابك، والعجلات.
ولقد علمنا أن آفة المسلمين ، ومشكلة الإسلام تتركزان في الجاحدين من أبنائه، وفي الجامدين.
أما الجاحدون فمثلهم كمثل الذين ينكرون الربوبية، والألوهية، ينكرون وجود سلطة غيبية وراء الطبيعة تتحكم في الكون، وتصرف، وتدبر. والقرآن الكريم وهو يزرع في القلوب شجرة التوحيد – لم يعرض لهؤلاء الجاحدين كثيراً تحقيراً لشأنهم ، وتسفيهاً لمذهبهم الذي يتعارض مع الفطرة، والعقل.
وأما الجامدون ففي كثير منهم إخلاص، وعند كثير منهم غيره على الدين، وحب للإسلام. إلا أن إهمالهم لعامل الظروف – المكانية، والزمانية، والواقعية – أبطل فاعلية ذلك الحب، وعزلهم عن روح الإسلام المرن، الفينان، وأوقفهم موقف الدب الذي قتل صاحبه ظاناً أنه يذب عنه.
واعتباراً لجوانب الخير الدفينة – ينبغي ألا نقطع عنهم أناتنا،وأن نواليهم حتى تلتئم الحلقة التي تأكلت فقطعت التيار، وأفقدت الفاعلية والإبصار، وحصرتهم في قواقع خانقة خالوها الوجود فحجروا الدين، وجهلوا عمومية الإسلام، وشموليته، وأسفوا (بفتح السين وتشديد الفاء المضمومة) فرضوا بأن يكونوا مع الخوالف قيد الأوهام والأحلام، وإذا قدر لهم أن يغوصوا ففي الحفر مع الديدان والهوام، وإذا حلقوا كان سماؤهم المهدي المنتظر آية آخر الزمان. ولا غرابة فقد شاهدناهم،واستمعنا لهم في حضرة عالم كبير شدوا إليه الرحال، وعبروا البحار ليسألوه عن أجساد الأنبياء هل تأكلها الأرض فتبلى؟ وعن درجة الكفر الذي يتبوؤها منكر المهدي المنتظر وعن عدد الذبذبات التي ينبغي أن تصدرها السبابة والمصلي في وضع التشهد (3)… إلخ أي بؤس هذا؟ وأي انحدار؟ ذلك وعدونا يقطع بمراكبه أجواز الفضاء. ويحط على الزهرة، والمريخ، ويري ، ويسمع بالأقمار فما أبعد الثري من الثريا..
إن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. وكلمة “الدين” بأداتها “ال” التي تفيد الاستغراق ويتابعها “كله” الذي يفيد التوكيد، تعني كافة المذاهب، والأيديولوجيات الغابرة، والمعاصرة سماويها وأرضيها، ولكن الدين نزل رفيعاً ظاهراً، وانتشر ، وتمكن رفيعاً ظاهراً، فما معني “ليظهره”؟
إن الدين هو المعتصم والملاذ ، والمعراج، واظهاره


