نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
قال تعالى:-
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ(1)كَمَا كُتِبَ(2) عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ (3) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ(4) فِدْيَةٌ(5) طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ(6) خَيْرًا فَهُو خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ(7) رَمَضَانَ(8) الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(9) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا(10) الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا(11) اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ(12) تَشْكُرُونَ ) 185 البقرة بنفوس رمضت من هجير الحياة، وحمت (13) (بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة) بالجوى(14) والأجواء التي تتعاقب على دنيا المسلمين وخيمة (15)، خانقة، نستقبل برد هذه الآيات قانعين بالأرواح، حسبنا أن نقبس (16) منها القبسة، ونستروح(17) النسمة بل النسمات التي تحمل في تضاعيفها السنى، والسناء، والطهر، والإيمان.
ولقد عولجت هذه الآيات حتى ظن (بالبناء للمجهول) أنها استفرغت (بالبناء للمجهول) وأن معانيها استبانت وانتثلت (بالبناء للمجهول) فلم يعد هناك مزيد لمستزيد، ولكنه القرآن، لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. فهو بحكم كونه يخاطب ذوي البداوة السطحيين، وذوي الوعي الفطنين، وذوي التجارب من المتأخرين ودعاة العلمانية والمادانية المفتونين المغرورين: لا تنفد معانيه، ولا يجذ (18) (بالبناء للمجهول) عطاؤه.
ينهل كل جيل من فيضه الزاخر بقدر حجمه، ويعب كفاء خبراته وعلمه. فكلمات القرآن ستبقى حافلة بالمعاني، جامعة للهدى، مدداً ثراً غزيراً إلى يوم القيامة. كالشمس ترسل من شعاعها ما ترسل كل يوم. ولكن انتفاع الناس بأسرارها، وأضوائها، وطاقاتها يختلف من جيل إلى جيل إلى جيل. كذلك القرآن وصدق الله ( وَلَو أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ) 27 لقمان.
بيئة الآيات الكبرى تطهر، وتحرر، وتبنى
والآيات تشكل قطاعاً في سورة البقرة التي تولي اهتمامها للمسلمين وقد تركزوا في المدينة جماعة مستقلة تبذر بذورها، وتعمق جذورها، وتعلى فروعها، وتمد ظلالها، وتتطلع كي تنشئ دولة فينانة طيبة الجنى،مهيبة، ذات شوكة . دولة تصمد أمام تحديات أهل الكتاب بكل ما جبلوا عليه من مكابرة وحقد وحسد، وتحريف للكلم، وقلب للحقائق، وغزوٍ للأفكار التي طالما انخدعت بهم وتأثرت بأكاذيبهم باعتبارهم أهل كتاب وعلم.
فالسورة تهتم أولاً بنزح مخلفات اليهود العفنة التي تراكمت على عقول العرب. ثانياً بهز الصورة الكاذبة التي انطبعت في أدمغة العرب عن اليهود. ثالثاُ نهتم بأن تحل (بضم التاء وكسر الحاء) محل الأباطيل والترهات التي غزا بها اليهود أفكار العرب الرازحين تحت وطأة عقدة الأمية التي استغلها اليهود أسوأ استغلال.
وتحقيقاً لهذه الغاية دأبت السورة على تناول أهل الكتاب، وإسقاط أقنعتهم، وفضح ألاعيبهم، وكشف زيفهم، ونبذ مواقفهم، وتعرية تاريخهم، وتجريدهم من الهالات الكاذبة التي أحاطوا بها أنفسهم.
وهكذا تتحرر العقول من آثار الغزو الفكري الذي مارسه اليهود ضد العرب سنين طويلة وقروناً وكذلك تستخلص العبر مما حاق بهؤلاء، وتتهيأ كي تستوعب حقائق الإسلام، وتنتفع بنفحات القرآن، وتشريعاته التي اقتضاها وضع المسلمين الجديد، وتميزهم أمة مستقلة ذات منهج قويم، ومقصد سام.
وخلال ذلك تجيء آيات تجلو العقيدة وتعمق جذورها. وآيات تنحت من التاريخ، وآيات تعرض من مشاهد القيامة، وآيات تشير إلى أصول العلم، وأخرى تتحدث عن علل النفس، وتتتبع حركات الملتوين المنافقين. وكل هذه الهدايات التي حفلت بها السورة تتضافر على إعداد المسلم، وتربيته حتى يمارس دوره القيادي على الأرض: خليفة ، ثاقب الفكر، بعيد النظر ، يتحرى الأصلح، ويكسر كل الحواجز التي تعوق استتباب السلام. حتى يتبوأ المقام الأسنى والمحل الأرفع. ويتهيأ للكمال المقدر له في الدنيا، والآخرة. حتى يجتاز، ويدرج نحو مقام الشهادة. مقام خير أمة أخرجت للناس.
سورة البقرة إذن.
1- تنزح ما تراكم في العقليات، والقلوب من قيم، ومفاهيم ورؤى ما أنزل الله بها من سلطان.
2- تنسف قواعد الذين استعمروا يومئذ عقول


