نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
-2-
((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ*وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ*يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ*إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ*وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ*يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [المائدة: 51-57].
* * *
لا زلنا نستهدي هذه الآيات التي ترسم سياسة المسلمين الخارجية، وتحدد شكل العلاقة التي تنتظم المسلم وغير المسلم، وتضع أصول الولاية في الإسلام، وترفض انحراف الولاء باتخاذ غير المسلمين عضداً، وملاذاً، وبطانة تتوغل، وتتغلغل في المداخل والمخارج ثم تتحكم وتذل.
والآيات إذ تعالج قضية الولاء، تحيط بكل المعاني – الحقيقية والمجازية والإيحائية – التي تتفجر من مادة (و ل ي )، من تحالف، وتناصر، وعون، ودنو، وركون وانفتاح. ذلك حتى لا تصبح عطاءات كلمة (و ل ي ) مزالق نحو وهدات الانكشاف، الانفتاح، والتميع المنذر بالذوبان، والامتزاج المهدد بتداخل منهجي الحق والباطل. الأمر الذي يوفر فرص الاعتلاء أمام الأعداء.
ويجدر أن نعرف قبلاً أن الموالاة غير السماحة، وغير البر والإقساط. فهذه خلال المسلم، يلتزمها في كافة معاملاته بمقتضى قول الله في سورة الممتحنة ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحنة:8] وبمقتضى قوله في سورة المائدة ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [المائدة:2] وقوله ((ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ )) [المائدة:8]. وتعامل المسلم مع الناس بهذه الخلال لا يعني الارتفاع بها إلى مستويات الولاء، والوليجة، والبطانة. فالموالاة بمعنى التعاضد، والانفتاح ينبغي أن تكون منقطعة شرعاً بين المسلم وجبهات الكفر التي تحتال باستمرار فترفع شعارات الصداقة والإنسانية، وهم في الواقع متمردون على القيم، ناءون عن الحق، يبتغون دائماً الفتنة. ويخططون بلا توقف لاغتيال دين المسلمين باغتيال دنياهم، واغتيال دنياهم باغتيال دينهم.
ولا يخفى أن الارتباط وثيق بين الدين والدنيا، كلاهما عضد للآخر، وصدق الله ((وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة:217] .
والآيات بهذا القرار الحاسم، قرار ((اللاموالاة)) تحتم المفاصلة بين مؤمن ملتزم وفاسق شط وانسلخ، واحتكم إلى الهوى، وأوضاع الجاهلية، كما تنمي في المسلمين مشاعر الاعتزاز بالله، والثقة بالنفس، والانتماء – في اعتداد – إلى جماعة المسلمين، والتعبير تصريحاً، وتلميحاً، بالقول والفعل والسلوك عن هذا الاتتماء ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ د


