نظرية القبور المسجدية
بقلم: الأستاذ الدكتور/ أمين محمد رضا
أستاذ جراحة العظام والتقويم والإصابات
بجامعة الإسكندرية
أوضحت مقالة (قبور الأولياء في مصر) في مجلة التوحيد عدد شوال 1402 نظرية شاعت بين جماهير الناس في مصر وفي بلاد كثيرة أخرى هي (نظرية القبور المسجدية) التي صنعتها الجماهير من الخيال ثم وقعوا في حبائل خرافاتها دون أن يدروا.
وهي مبنية على سلسلة من فروض خمسة كما يلي:
1. أنه في قدرة الناس أن يميزوا بين الصالح وغير الصالح من الرجال والنساء.
2. أنه إذا ثبت لديهم صلاح شخص ثم توفاه الله فلا بد من دفنه في قبر على شكل مسجد.
3. بما أن كل أموات الصالحين يدفنون في قبور مسجدية..
فبالتالي فكل قبر مسجدي لا بد وأن يكون مدفوناً فيه رجل صالح أو امرأة صالحة.
4. القبر المسجدي هذا له صفات مباركة.
5. أموات الصالحين يسمعون النداء ويلبونه ويرفعون طلبات الناس إلى الله ويقبلها الله منهم.
***
هذه النظرية التي انتشرت بين جماهير الناس نظرية تتغلغل في نفوسهم، وترسخ في أعماق قلوبهم. وهي عندهم عقيدة قوية لا تتزعزع مع أن كل حلقة من هاته الحلقات الخمس المكونة للنظرية إن هي إلا فرض وهمي يؤدي إلى فرض خيالي آخر . وكلها تصورات وخيالات يمكن اثبات فسادها بطرق علمية وعقلية بسيطة.
الفرض الأول
يبني الناس حكمهم على شخص بأنه صالح على أمور خيالية وعلامات وهمية وعجيبة لا تقوم بها الحجة العلمية.. مثل الرؤية المنامية والأخبار المنقولة التي في زعمهم لا تقبل الكذب، ومثل الأعمال الخارقة التي تشبه كثيراً أعمال المشعوذين والسحرة والتي يسمونها كرامات ومعجزات، والتي يصدقونها دون تمحيص ولا تفكير لأنها خوارق وهم يصدقون الخوارق ” لقوة إيمانهم” أما كل من عداهم ممن لا يصدقون الخوارق هذه فهم في نظرهم (ضعاف الإيمان).
وهم ينسون في الفرض الأول هذا أن الذي يحكم على الناس بالصلاح أو غيره هو الله سبحانه وتعالى. وأن الحكم ليس مبنياً على ظواهر الأعمال فقط بل إلى جانب الأعمال فلا بد أن توضع السرائر والنيات في الميزان. وقد تكون هذه الأخيرة هي الأكثر خطورة.
وهم ينسون أيضاً أن يوم الحساب لم يأت بعد.
إذاً فإن جماهير الناس في حكمهم على شخص أنه صالح:
أ-يصدرون حكماً سابقاً لأوانه.
ب-وهم حكام غير مؤهلين لإصدار هذا الحكم لأنهم لا يطلعون على النيات والسرائر.
ج-لم يكلفهم الله بإصدار هذا الحكم ولا أعطاهم تفويضاً به.
د-هو وحده سبحانه وتعالى صاحب الأمر ومالك يوم الدين والذي يميز الخبيث من الطيب والصالح من غير الصالح.
الفرض الثاني
فلنسلم الآن أنه يمكن للناس معرفة الصالح من غير الصالح من الناس. وهذا هو الفرض الأول في نظرية القبور المسجدية.
أما الفرض الثاني فهو أنه لا بد من دفن هذا الشخص الصالح في قبر مسجدي. ولكن السؤال هو: ما هي العلاقة العقلية بين الصلاح وحتمية الدفن في قبر مسجدي، لا في قبر من قبور عباد الله العاديين.
وأصحاب هذه النظرية ليس عندهم جواب يوضح هذه العلاقة. ويترددون بين حجة وهمية وعذر عجيب. وكلها لن تكون أقوى من التحذير الشديد الذي أصدره لنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه من القبور المسجدية.
الفرض الثالث
هذا الفرض مبني على الفرضين الأول والثاني اللذين قاما على الوهم واللذين يعارضان كل أوجه المنطق السليم . فقد دخل في روع جماهير الناس أن كل قبر مسجدي لا بد وأن يكون المدفون فيه أحد الصالحين . فأصبحنا نراهم يخلعون صفة الصلاح على حكام طغاة اشتهروا بالقسوة والظلم لا لشيء إلا لأنهم مدفونون في مقابر على هيئة مساجد وأطلقوا صفة الصلاح على أشخاص وهميين أو قبور فارغة أو أضرحة مزورة. والأمثلة على هذه الأصناف من القبور المسجدية كثيرة. ولكن قلوب العامة من الناس تتعلق بها، وكأنما هدفهم هو العثور على أي قبر ليربطوا قلوبهم به، وليذلوا عقولهم له دون تفكير ولا تمييز ولا برهان ولا بينة ولا أي شيء يدل على صحة تصورهم في فرضهم الثالث المكون لنظرية الأضرحة هذه.
الفرض الرابع
وتعتقد الجماهير أن القبر المسجدي بما أنه يسكنه ميت صالح فيه من البركات ما يجعله أصلح للصلاة فيه. ومما يجعل من يؤمه يكتسب بعض الميزات. وهم لا يمكنهم تعريف هذه الميزات المباركة بالتحديد ولكنهم لا يشكون في أن هذه القبور المسجدية فيها خير كثير لمن يقصدها.
وإذا ما صلى أحد فيها فلا مانع من قراءة الفاتحة لصاحب الضريح، ومن الكلام معه، ومن طلب بعض الطلبات منه. وكذلك يشعرون أنهم يكتسبون شيئاً من الخير إذا ما تمسحوا بالضريح وقبلوه وجاوروه وطافوا حوله.
وهكذا فبغير علم من عندهم أو من عند الله أو من عند رسول الله أو نبي أو عالم أو من أية جهة من الجهات. فرضوا فرضهم الأول. ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. ومع أن كل هذه الفروض


