ندم الإمام الغزالى
على سلوكه طريق التصوف
الدكتور / إبراهيم هلال
فلقد كان من الطبيعي لرجل كالإمام الغزالى- أراد أن يصل إلى اليقين- ألا يكون وصوله إلى اليقين إلا عن طريق القرآن الكريم ومنهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وألا يجد في نهاية الأمر مطلوبه في التصوف، كما لم يجده من قبل في علم الكلام ولا في فلسفة الفلاسفة، ولا في مذاهب الباطنية.
فنقطة الضعف فيه أنه اتجه إلى علم الكلام، وبقية الاتجاهات الأخرى كى يخرج من الشك الذى إنتابه، ويصل إلى إقامة الدليل على وجود الله، فلم يول وجهه نحو القرآن الكريم، يأخذ عنه الطريق الذى كان يقدمه لأول من أسلموا، وأول من نزل فيهم، ذلك الطريق الممهد، والذى وضح في قوله تعالى: ?فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً، ثم شققنا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً، وقضباً وزيتوناً ونخلا، وحدائق غلبا..} وفي قوله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وفي قوله: (أم من جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسى، وجعل بين البحرين حاجزاً، ءإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون).
ولذلك كان ولا بد أن تتفرق به السبل، ويتخبط في الظلمات، بين المتكلمين، والفلاسفة والباطنية والصوفية، وأن يعرض نفسه وإنتاجه إلى هذا التجريح الذى لا يليق بلقب ” حجة الإسلام”، ذلك اللقب الذى خدع الكثيرين، والذى لا يقبله الإسلام لغير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فنجد ابن تيمية يقدم رأى أهل جيله والمعاصرين للإمام الغزالى ممن نرى فيهم التزاماً بكتاب الله سبحانه، وهدى رسوله صلى الله عليه وسلم مع التزام الحيدة في ذلك، وإعطاء ما للرجل إلى جانب تقديمه لآراء هؤلاء فيه.
يقول ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية، بعد أن عرض لعاقبة من يهجر كتاب الله، أو يطلب الهدى في غيره: “.. ولهذا كان أبو حامد ” الغزالى” مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة وتكفيره لهم وتعظيم النبوة، وغير ذلك.., يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت إليه توافق أصول الفلاسفة المخالفة للنبوة بل المخالفة لصريح العقل، حتى تكلم فيه جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب كرفيقه أبى إسحاق المرغنيانى، وأبى الوفاء بن عقيل، والقشيرى والطرطوشى وابن رشد، والمازرى وجماعات من الأولين حتى ذكر ذلك الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب الشافعى، وقرره الشيخ أبو زكريا النووى ” قال في هذا الكتاب”: فصل في بيان أشياء مهمة أنكرت على الإمام الغزالى في مصنفاته، ولم يرفضها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته.. ” الخ.
ومن ذلك أيضاً ما نبه به السابقون على ما يجب التفطن له، والحذر عند قراءة كتابه إحياء علوم الدين فقد قالوا: أنه لا تجوز قراءته، إلا لمن خبر أساليب القوم، وفهم مراميهم التصوفية، وهذا هو رأى الإمام أبو بكر الطرطوشى، نجده في طبقات الشافعية ونجد أبا عمرو بن الصلاح، ينقل عن المازرى من كلام طويل له عن الاحياء: ” بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم وما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءته لا تجوز له “. وليس هذا فيما يتصل بالاحياء فقط، بل في كتبه التى عالج فيها مسائل العقيدة بطريق الفلاسفة، أو الصوفية، فيقول عنه ابن تيمية بأسلوبه الحيادى في معرض الموازنة بينه وبين غيره ممن اتجهوا بنفس اتجاهه:
” وتجد أبا حامد الغزالى- مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام، والأصول وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد، وتبحره في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك- يذكر في كتاب الأربعين ونحوه كتابه: ” المضنون به على غير أهله ” فإذا طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق، وغاية المطالب وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه، قد غيرت عباراتهم وترتيباتهم “.
وهكذا نجد من حاد عن طريق القرآن، وظن أن في الفلسفات الأخرى هداية أو دراية، فإنه لا يجد إلا التخبط، ولن يلاقى إلا العثرات وهذا هو ما علل به أبو حامد لنفسه بنفسه، فإن ابن تيمية يروى له أنه كان يقول دائماً: ” أنا مزجى البضاعة في الحديث ” وذلك لأنه لم ينشأ بين من كان يعرف طريقه أهل الحديث ولا كان خبيراً بمعانى القرآن ولا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بآثار الصحابة.
ونجد مثل هذا التعليل في طبقات الشافعية الكبرى للسبكى وأن الغزالى قضى السنين الأخيرة من عمره في العبادة والإقبال على الحديث ومجالسة أهله بعد أن فاته طلب الحديث فيما تقدم من عمره، ولم تعرف عنه روايته له، وعبارة السبكى في ذلك: ” وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومطالعة البخارى ومسلم ولو عاش لسبق الكل في ذلك.. “.
وقد تقابل مع السبكى في هذا ابن تيمية حيث يقول: ” ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده، فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخارى ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله، وكان كارهاً ما وقع في كتبه من


