الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

موعظة بليغة

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

موعظة بليغة ..
ابن عبد ربه ( رحمه الله )

بينما المنصور فى الطواف ليلاً إذ سمع قائلاً يقول : اللهم إنى أشكو إليك ظهور البغى والفساد فى الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فخرج المنصور ، فجلس ناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة .
فقال المنصور : ما الذى سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغى فى الأرض ، وما الذى يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فوالله لقد حشوت مسامعى ما أرمضنى (1) .
فقال : إن أمنتنى يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها ، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسى فلى فيها شاغل .
قال : فأنت آمن على نفسك فقل . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الذى دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر فى الأرض من الفساد والبغى لأنت . فقال : فكيف ذلك ويحك ! يدخلنى الطمع والصفراء والبيضاء فى قبضتى ، والحلو والحامض عندى ؟ قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك ؟ إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد ، وحراساً معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك عنهم فيها ، وبعثت عمالك فى جباية الأموال وجمعها وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع (2) ، وأمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان ، نفراً سميتهم ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ، ولا الملهوف ، ولا الجائع العارى ، ولا الضعيف الفقير إليك ، ولا أحد إلا وله فى هذا المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تجبى الأموال وتجمعها . قالوا : هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه . فائتمروا ألا يصل إليك من علم أخبار الناس شىء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خونوه عندك ونفوه ، حتى تسقط منزلته ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ، ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك ، لينالوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلماً وبغياً وفساداً ، وصار هؤلاء القوم شركاءك فى سلطانك وأنت غافل ، فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه ، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ، وأوقفت للناس رجلاً ينظر فى مظالمهم ، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك (3) خبره ، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به (4) ، ويشكو ويستغيث ، وهو يدفعه ، فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك ، فيضرب ضرباً مبرحاً يكون نكالاً (5) لغيره ، وأنت تنظر فما تنكر ! فما بقاء الإسلام على هذا ؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه ، فبكى بكاء شديداً ، فحثه جلساؤه على الصبر فقال : أما إنى لست أبكى للبلية النازلة ، ولكنى أبكى لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ، ثم قال : أما إذ قد ذهب سمعى فإن بصرى لم يذهب ، نادوا فى الناس أن لا يلبس ثوباً أحمر إلا متظلم . ثم كان يركب الفيل طرفى النهار وينظر هل يرى مظلوماً ، فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله ، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك ! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك ، فقد أراك الله عبراً فى الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال ، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل ، حتى تعظم رغبة الناس إليه ، ولست الذى تعطى ، بل الله تعالى يُعطى ، من يشاء ما يشاء . فإن قلت إنما تجمع المال لتشديد السلطان ، فقد أراك الله عبراً فى بنى أمية ، ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد . وإن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هى أجسم من الغاية التى أنت فيها . فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين . هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل . فقال المنصور : لا . فقال : فكيف تصنع بالملك الذى خولك ملك الدنيا ، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود فى العذاب الأليم . قد رأى ما عقد (6) عليه قلبك ، وعملته جوارحك (7) ، وانظر إليه بصرك ، واجترحته يداك ، ومشت إليه رجلاك . هل يغنى عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب ؟ قال : فبكى المنصور ، ثم قال : ليتنى لم أخلق ! ويحك كيف أحتال لنفسى ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن للناس أعلاماً يفزعون (8) إليهم فى دينهم ، ويرضون بهم فى دنياهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم فى أمرك يسددوك . قال : قد بعثت إليهم فهربوا منى . قال : خافوك أن تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك ، وسهل حجابك وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفىء والصدقات ع

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا