من الأحاديث المكذوبة
من القصص التي يرويها بعض الخطباء فوق المنابر قصة قس بن ساعدة، وهي قصة مشهورة يقول رواتها أنه كان يقف في سوق عكاظ يدعو الناس إلى دين اللَّه، وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكرون فيها حديثا ينسبونه إلى ابن عباس رضي اللَّهُ عنهما. ونحن إذ نذكر الحديث نبين ما قيل حوله حتى يعلم قراؤنا أن هذا الحديث مكذوب:
قدم وفد عبد القيس على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟ قالوا: كلنا نعرفه يا رسول اللَّه. فقال: فماذا فعل؟ قالوا: هلك: قال: ما أنساه بعكاظ على جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا، واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم لا تمور، وبحار لا تغور. أقسم قس حقا لئن كان في الأرض رضى، ليكونن سخطا، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ ثم قال: أيكم يروى شعره؟ فأنشدوه:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا للموت لها مصادر
ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلى ولا من الباقين غابر
أيقنت أنى لا محالة حيث صار القوم صائر
انتهى الحديث. وفي إسناده محمد بن الحجاج النخمي. وقد أخرج هذا الحديث المكذوب الطبراني والبزار في مسنده، وقال: ( لا نعلمه يروي من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، ومحمد بن الحجاج قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ولما لم نجد هذا عند غيره لم نجد بدا من إخراجه ) قال الحافظ ابن حجر ( كأنه التزم إخراج كل ما روى ولو كان موضوعا، فمحمد بن الحجاج كذبه ابن معين والدارقطني وغيرهما ).
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: محمد بن الحجاج قال الدارقطني كذاب، وقال ابن معين كذاب خبيث.
وقد أخرج البيهقي أيضا هذا الحديث المكذوب في ” دلائل النبوة” وقال محمد بن الحجاج متروك.
وقد أخرجه البيهقي من طريق آخر وفي إسناده سعيد بن هبيرة، قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات كأنه كان يضعها أو توضع له. وقال أبو حاتم: روى أحاديث أنكرها أهل العلم.
وقد رواه البيهقي من طريق ثالث وفي إسناده أحمد بن سعيد بن فرضخ عن القاسم بن عبد اللَّه بن مهدي.
قال الذهبي في الميزان: القاسم بن عبد اللَّه بن مهدي روى حديثا باطلا.
وقال الحافظ ابن حجر في اللسان: روى حديثين باطلين.
وقال الدارقطني: أنه متهم بوضع الحديث. ثم ذكر الدارقطني أن أحمد بن سعيد بن فرضخ روى عن القاسم بن عبد اللَّه بن مهدي أحاديث موضوعة كلها كذب لا تحل روايتها، والحمل فيها على ابن فرضخ فإنه المتهم بها، فإنه كان يركب الأسانيد ويضع عليها الأحاديث.
( التوحيد )
9


