الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

من أحسن ما قرأت – دمعة على الإسلام

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

من أحسن ما قرأت:
دمعة على الإسلام
للأستاذ: محمد عبد الرحمن السحرتي

كتب الأستاذ الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله يقول:
كتب إلى أحد علماء الهند كتابا يقول فيه إنه اطلع على مؤلف ظهر حديثا بلغة (التأميل) وهى لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس. موضوعه تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني. وذكر مناقبة وكراماته فرأي فيه من بين الصفات والالقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقبه بها صفات وألقابا هى بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة. فضلا عن مقام الولاية كقوله: (سيد السموات والأرض) و(النفاع الضرار) و(المتصرف في الأكوان) و(المطلع على أسرار الخليقة) و(محيي الموتى) (مبرئ الأكمة والأبرص) و(الرافع الواضع) و(أمره من أمر الله) و(ما حى الذنوب) و(دافع البلاء) و(صاحب الشريعة) و(صاحب الوجود التام) إلى كثير من أمثال هذه النعوت والالقاب. ويقول الكاتب إنه رأي في ذلك الكتاب فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة. وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول: (يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي!)، (أغثني يا محيي الدين عبد القادر! أغثني يا أباد شاه عبد القادر! أغثني يا خوجا عبد القادر!)، (يا حضرة الغوث الصمداني يا سيدي عبد القادر الجيلاني! عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة!) أعوذ بالله من هذا الشرك والكفر!، ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة (ناقور) في الهند قبرا يسمى (شاه الحميد) وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله وإن في كل بلد من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل السيد عبد القادر. فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجئون إليه في حاجاتهم) .
– هذا ما كتبه إلى ذلك الكاتب. ويعلم الله إني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء. وأظلمت الدنيا في عيني فما أبصر مما حولي شيئا. حزنا وأسفا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعد ما عرفوه. ووضعوه بعد ما رفعوه، وذهبوا به إلى مذاهب لا يعرفها ولا شأن له بها – أي عين يجمل بها أن تستبقى في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن. منظر أولئك المسلمين وهم ركع. سجد على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته. فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته! أي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يطير جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين اشراكا بالله. وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات لم ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم ولم يغرقوا فيه اغراقهم؟.
يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة. ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل. فيتأولون فيه ويقولون أن الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف الآلهة أكثرها جذوع أشجار. وجثث أموات. وقطع أحجار. من حيث لا يشعرون. كثيرا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرا وهو لا يشعر به. وكثيرا ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها. ولا أري مثلا بذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور. ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود. فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم. وإنما نتوسل بهم إلى الله كأنهم لا يشعرون أن العبادة ما هم فيه. وأن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون امداده ومعونته، وهم في الحقيقة عابدون لاولئك الأموات من حيث لا يشعرون. جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والانفة والحمية، وليعتق رقابهم من رق العبودية فلا يذل صغيرهم لكبيرهم ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لدى سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل. وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى. فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيرة يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه: (قف مكانك!) ولا تغل في تقدير مقدار نفسك. فإنما أنت عبد مخلوق، لا رب معبود. (واعلم أنه لا إله إلا الله) .
هذه صورة من صورة نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى فقد ذلت رقابهم. وخفقت رؤوسهم وضرعت نفوسهم. وفترت حميتهم فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد اعداؤهم السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم فأصبحوا من الخاسرين. والله لن يسترجع المسلمون إلى سالف مجدهم

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا