مفهوم البدعة عند السلف الصالح
بقلم: سليمان رشاد محمد
نشرت مجلة التصوف الإسلامي في عددها الصادر في جمادى الآخرة سنة 1400 مقالاً تحت هذا العنوان للكاتب السيد عز الدين ماضي أبو العزائم المحامي، وللأسف الشديد فقد خلط الأستاذ خلطاً عجيباً، بدأ بالبدعة في الأحكام والعادات وما يتعلق بالشئون الدنيوية مع أن كلمة البدعة في الشرع لا تنصرف إلا إلى العبادات لأن العبادات توقيفية كما أجمع الفقهاء سلفاً وخلفاً. أما في غير العقائد والعبادات فابتدع ما شئت. وقد كان سلف هذه الأمة هم الذين اخترعوا وابتدعوا وابتكروا في كل شأن من شئون الحياة، وذلك مباح في الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أنتم أعلم بأمور دنياكم)).
إن أئمة السلفية – الذين ينعتهم الكاتب «أدعياء السلفية» في أكثر من موضع من كلمته – لم يقل أحد منهم أن نمو الحياة وتطورها يندرج في باب من أبواب البدع،بل هم الذين يدعون إلى أن تكون النصوص الشرعية حية متحركة تساير سنن الحياة،من غير تحليل شيء مما حرم الله ولا تحريم شيء مما أحل الله في المأكل أو الملبس أو المشرب أو المعاملات أو البيع والشراء مما هو معروف من الدين بالضرورة، وهذا مما يدخل في باب الحلال والحرام لا في باب البدع والمحدثات كما توهم الكاتب.
من العجيب أن يتصدى إنسان للكتابة في موضوع وهو لا يكاد يلم به إلماماً، ويظهر أنه كتب ما كتب ليتخذ منه منفذاً للطعن في مشايخ الإسلام الأئمة أحمد بن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب، فقد زعم أنهم يعتبرون أن دين الإسلام محصور في فكرهم فلا يثقون في عالم من علماء المسلمين ولا يقيمون له وزناً، هل قرأ هذا الرجل أي كتاب من مؤلفات هؤلاء الأئمة؟ إنه يقيناً لم يفعل،ولو فعل لرأى كيف يحتفل هؤلاء الأئمة بآراء وأقوال من سبقوهم من علماء السلف.
وكأنه لم يندد بالبدعة وينكرها إلا هؤلاء الأئمة الثلاثة، وكأنه لا يعلم أنه شدد النكير عليها الصحابة والتابعون وأئمة الفقه وأئمة الحديث، وكأني بهذا الكاتب لا يعلم شيئاً عن كتاب «الاعتصام» للشاطبي وكله في البدعة والابتداع، ولا ما كتب الشيخ علي محفوظ عن مضار الابتداع، ولا ما كتب شيخ الإسلام محمود شلتوت في هذا الموضوع، ولكنه يعتمد في الطعن على أئمة السلفية أقوال ومؤلفات أعدائهم من الصوفية الخلفية الذين يحرفون كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويلات السمجة الباردة الباطلة.
أورد الكاتب أمثلة فيما ادعى أنه تحجر عقلي في تفسير البدعة للتدليل بها على جواز الابتداع في الدين فذكر جمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه الناس على قارئ واحد في صلاة التراويح وتوسيعه لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه أحدث أذاناً ثانياً، وليس شيء من ذلك بدعة لأننا مأمورون بالاقتداء بهم لقوله عليه الصلاة والسلام: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فكل بدعة ضلالة» ونريد أن نصحح للكاتب أن الأذان الثاني الذي أمر به عثمان رضى الله عنه لم يكن بين يدي الخطيب يوم الجمعة – كما قال – بل كان بمكان بالمدينة فيه السوق ويسمى (الزوراء) حتى ينبه الناس في السوق بدخول وقت الصلاة، أما الأذان للخطبة ثم الصلاة فكان ينادي به من فوق المسجد بعد أن يصعد الإمام المنبر كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان رضوان الله عليهم، فلما كثر الناس بالمدينة وتشاغلوا في الأسواق أمر من ينبههم بدخول الوقت.
ثم زعم أن معاوية أحدث بناء المنابر أكثر من ثلاث درجات، مع أن معاوية بنى ما فعل على أصل موجود كما ذكر هو بنفسه في المقال، فإنه رتب عليها بدعة لا أصل لها وهي جهر المؤذن بالصلاة على رسول الله بعد الأذان، والأدهى من ذلك أنه زعم أن السلف استحدثوا القيام عند ذكر ولادة النبي، ولا نعلم أي سلف هؤلاء، لعلهم سلفه هو الذين ابتدعوا الاحتفال بالموالد. ثم افترى على السلفية أنهم يقولون أن ترك العمل يوم الجمعة بدعة، ولم يقل أحد من السلفية ذلك، ولكنهم يقولون بخطأ القول بأن العمل فيه بدعة، فليس في العمل فيه ولا ترك العمل سنة ولا بدعة، وفي قوله تعالى ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)) [الجمعة:9] ليس فيه نهي عن العمل يوم الجمعة قبل الصلاة بل فيه أمر بترك العمل للصلاة، وفي قوله تعالى في الآية بعد هذه الآية ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) [الجمعة:10] حث على العمل بعد الصلاة، والعمل من أمور الدنيا فمن شاء فليعمل قبل الصلاة وبعدها ومن شاء فليسترح وليستجم.
ثم قارن الكاتب بين (أدعياء السلفية) – كما يسميهم افتراءً عليهم – في


