الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 11-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 11-12-2025

مع القرآن

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

مع القرآن
علوم القرآن أصولاً ومنهجا
أقسام .. أسباب النزول
بقلم أ.د / محمد بكر إسماعيل
أستاذ التفسير وعلوم القرآن – جامعة الأزهر
عرفنا فى المقال السابق أن سبب نزول الآية أو الآيات قد يكون حادثة وقعت أو سؤلاً ورد على لسان مؤمن أو كافر أو شبهة ألقى بها مشرك أو منافق على مسامع المسلمين لإضلالهم ونحو ذلك ، وقلنا فى تعريفه : إنه هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه .
وبينا أن الطريق إلى معرفته صحة الرواية عن أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم .
* ونريد أن نتكلم فى هذا المقال عن أقسامه وهى ستة :
الأول : ما يتوقف فهم الآية على العلم به ، كأن يكون المعنى مبهماً لا يعرف من الألفاظ وحدها ، ولا من القرائن المحيطة به ، فإذا ذكر السبب اتضح المراد منه ، وهذا القسم مما ينبغى للمفسر أن يبحث عنه قبل الخوض فى تفسير الآية ، حتى لا يضل عن المراد منها .
* وذلك مثل السبب الذى نزل فيه قوله – تعالى – : ” قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ” . فقد نزلت فى خولة بنت ثعلبة .
* روى الحاكم وصححه عن عائشة قالت : ” تبارك الذى وسع سمعه كل شيء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى على بعضه وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتقول : يا رسول الله أكل شبابي ، ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني ، وانقطع ولدى ظاهر منى ، اللهم إنى أشكو إليك ، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات : ” قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ” وهو أوس بن الصامت ” أ . هـ (1)
* القسم الثانى : ما يبين الإجمال ويزيل الإشكال وهو قريب من القسم الأول ، فقد لا يكون المعنى فى الآية مبهماً ، ولكن يكون مجملاً ، بمعنى أن المعنى الراجح فى الآية غير واضح ، فيقع الإشكال فى فهم المراد ، فإذا عرف السبب الذى نزلت عليه الآية ، ظهر المعنى الراجح ، وتلاشى المعنى المرجوح الذى توهمه المخاطب من الإجمال ، فارتفع الإشكال ، فقد أشكل على بعض أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – فهم قوله تعالى فى سورة الأنعام ( 82 ) : ” الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ” فقالوا : وأينا لم يظلم نفسه ؟ فأنزل الله آية لقمان ، فارتفع الإجمال وزال الإشكال .
روى البخارى عن عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – قال : لما نزلت ” وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ” قال أصحابه : وأينا لم يظلم نفسه ؟ فنزلت : ” إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ” .
* القسم الثالث : ما لا يبين مجملاً ولا يؤول متشابهاً ، ولكنه يكشف عن وجه ما ، كتعلق الشرط بالجزاء أو الصفة بالموصوف . كما فى قوله تعالى ، ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ” . فإن لفظ اليتامى يشمل جمع الذكور والإناث ولا يتبين ارتباط الشرط بالجواب ، مع هذا السياق إلا على وجه من الوجوه المحتملة ، لخفاء الملازمة بينهما .
* لهذا سأل عروة بن الزبير عائشة – رضى الله عنهما – كما فى الصحيح عن وجه ارتباط الشرط بالجواب ، فبينت له السبب الذى من أجله نزلت الآية ، وأخبرته أن المراد باليتامى : اليتيمات . فقالت : ” هى اليتيمة تكون فى حجر وليها ، تشركه فى ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط فى صداقها ، فُنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فى الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ” .
فهذه الآية نزلت بسبب ما كان يقع من أولياء اليتامى فى الجاهلية من ظلم لليتيمات ، علمت به عائشة – رضى الله عنها – من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو الأظهر ، لأن قول الصحابي له حكم المرفوع ، وهى – رضى الله عنها – لا تفتى إلا بما علمت ، ويؤيد ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه : أن عروة بن الزبير قال : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد هذه الآية ، فأنزل الله : ” وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ” ( النساء : 127 ) .
* القسم الرابع : ما لا يتوقف فهم الآية عليه ولكنه إذا عرفه المفسر ازداد المعنى لديه وضوحاً ، كحادثة كعب بن عُجْزة التى نزل بسببها قوله تعالى : ” فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ” . فقد روى البخارى فى صحيحه أن عبد الله بن معقل قال ( قعدت إلى كعب بن عُجزة فى هذا المسجد – يعنى مسجد الكوفة – فسألته عن ( فدية الصيام ) فقال : حملت إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – والقمل يتناثر على وجهي ، فقال

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا