مسيلمة العصر الحديث والتصوف
بقلم : أحمد دهيم سالم
من المسلم به شرعاً ما ورد في القرآن الكريم من أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين. يقول تعالى ((مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب: 40]. وقد ورد هذا المعني في أحاديث كثيرة في الصحاح منها ما رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي” (1) وهناك أمور في الإسلام أمرنا الله عز وجل أن نسلم فيها قيادنا له وحده فلا مجال للعقل، ولا للاجتهاد مع هذه النصوص إنما يكون الأمر فيها أن نقول : سمعنا وأطعنا لنكون من الذين قال الله فيهم : “إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))[النور :51]. ففي مجال العقيدة نري أن هناك أموراً وقضايا يجب الإيمان بها على عمومها دون محاولة التأويل أو التعطيل، مثل ذلك في قول الله سبحانه وتعالي ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه:5]. فلا نقول فيه إلا بمقالة الإمام مالك رحمه الله الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وفي كيفية كلام الله وضحكه، وفي كيفية نزوله إلى سماء الدنيا في الحديث المشهور من أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير ويبسط يده ويقول : هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ كل هذه القضايا نقف فيها موقف أهل السنة والجماعة فنقول : نؤمن باللفظ على عمومه دون تأويل أو تشبيه أو تعطيل، ولا نملك الخوض فيما لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وتعالي.
والعبادات توقيفية، فلا يجوز لأحد أن يزيد في الصلاة أو ينقص منها.
لكن الله سبحانه وتعالي في مجالات أخري أمرنا أن نعمل عقولنا وفكرنا، ففي مجال النظر في القرآن ومحاولة فهمه يقول تعالى “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)) [النساء: 82].
وفي مجال إعمال العقل والفكر في الخلق والكون يقول سبحانه وتعالي ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [آل عمران: 190 – 191]. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالي أن نستقيم على أمره ولا نحيد عن شرعته ومنهاجه ((فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [هود: 112]. وقد وضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الطريق ولم يترك شيئاً غامضاً علينا ((ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة ويبعدكم عن النار إلا أمرتكم به، وما تركت شيئاً يقربكم من النار ويبعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه) وبين لنا كذلك أن ديننا ليس فيه لبس ولا أسرار وحذرنا من تنكب الصراط المستقيم (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
بهذا يتبين لنا أن الطريق المستقيم واحد. وإن ما دونه إنما هي طرق الشيطان وإن تعددت كما في الحديث (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً وخط من حوله خطوطاً متعرجة ثم أشار إلى الخط المستقيم على أنه سبيل الله، وأشار إلى الطرق المتعرجة على أنها سبل على رأس كل منها شيطان يودي بصاحبه إلى النار) ثم تلا قول الله تعالى ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [الأنعام: 153].
لكننا رأينا أكثر الناس قد تركوا أمر الله ورسوله بالتزام الصراط المستقيم، وانحرفوا يريدون سبل الشيطان المتعرجة، فرأينا فرقاً كالشيعة بما انقسمت إليه من طرق ورأينا القاديانية على رأسها شيطانها غلام أحمد القادياني، والبوذية وكان شيطانها بوذا، والهندوكية وعلي رأسها بقرة عبدت من دون الله، والصوفية وهي لا تختلف كثيراً عن باقي الطرق لأن الدعوات متقاربة. والله سبحانه أراد منا أن نكون عبيداً له وحده ولا نكون عبيداً للشيطان. قال تعالى ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [يس:60 – 61]. والرسول صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ عن ربه عز وجل كان يسأل (بالبناء للمجهول) عن الشئ فيجيب، وكان الناس يجادلونه في بعض الأمور، و


