متى ننصف ابن تيمية؟
بقلم محمد عبد اللَّه السمان
رسالتان من الرسالات التى نوقشت في جامعة الأزهر للحصول على درجة الدكتوراة، حمل الطالب في الأولى على ابن تيمية دون اعتراض عليه من أعضاء اللجنة، وهيأ له وهمه أنه من أقران إمام فقيه مثل الإمام ابن تيمية، أما الطالب الآخر فقد اهتم في رسالته بالإمام ابن تيمية اهتمامًا يليق بقدره، كإمام من أئمة أهل السنة، وفقيه من رجالات الفقه، ومصلحًا اجتماعيًا من كبار المصلحين الاجتماعيين الإسلاميين، وقد أبدي على هذا الاهتمام اعتراضه أحد أعضاء اللجنة المناقشة، قائلاً للطالب: لقد بالغت في اهتمامك بابن تيمية.
والمفروض أن الرسائل الجامعية رسائل علمية، وأن الأساتذة الذين يوكل إليهم أمر مناقشة الرسائل حياديون، تقف مهمتهم عند حدود مناقشة الرأى وتقويم الفكر، ولا تتجاوزهما إلى محاسبة الطالب على ميوله أو ما يعتقده عن إيمان وبصيرة، والمفروض ثانيًا أن الجاهل أو المتعالم، لا يعتبر كلامه محسوبًا عليه، حيث لا اعتبار لما يرى ولا وزن لما يقول، أما العالم- ولا سيما- من يكن الناس له في نفوسهم تقديرًا فإن كلامه محسوب عليه، حيث الاعتبار لما يقول ولما يكتب…
هذه مقدمة، قبل أن نعرض لأصل القضية التي سنطرحها، والتي دفعني إلى إثارتها على صفحات مجلة ( التوحيد ) ما نشر في جريدة الجمعة بالأخبار في 5/11/1976، فقد وجه إليها المواطن المسلم السيد / رجب البهنساوي هذا السؤال: ( أديت فريضة الحج في العام الماضي، ولم تمكنني الظروف من زيارة المدينة المنورة، فهل يعتبر حجي قد نقص في بعض أعماله أو في ثوابه؟ وقد أحالت الجريدة هذا السؤال للإجابة عنه، إلى فضيلة الأستاذ الدكتور زكريا البري أستاذ الشريعة بكلية حقوق القاهرة، وكان مما جاء في إجابته: ( أن هذه الزيارة ليست جزءًا من شريعة الحج، وعدم القيام بها، لا ينقص ثوابه الكامل ) وهذا حق لا جدال فيه، ثم نبه فضيلته بهذه المناسبة، إلى أن بعض العامة حين يسافرون للحج، لا تكاد تتجه نيتهم إلى الفريضة الدينية وهي الحج إلى بيت اللَّه الحرام، فتسمع منهم أنهم نووا زيارة النبي، كما تسمع منهم بعد العودة نحو ذلك
والحق مع الدكتور زكريا البري، فكثير من المسلمين البسطاء لا ينوون تأدية شعائر الحج، وإنما ينوون زيارة قبر الرسول عليه السلام، ولقد قرأت بنفسي في قريتنا كتابات واضحة على واجهة أحد المنازل مؤداها: هذا منزل فلان.. الذي زار قبر الرسول- عليه السلام- سبع مرات، وقد يكون هنا تقصير لدى شباب الأزهر في القرى، حيث كان من الواجب عليهم أن يبصروا السذج من المسلمين بشعيرة الحج، ولكن يجب ألا نتجاهل مدى تعصب هؤلاء السذج للعاطفة المتطرف فيها..
قلت: إن إجابة الدكتور زكريا في معظمها- مع شيء من التحفظ- إجابة لا غبار عليها، لكن فضيلته ختم إجابته بقوله:
( وإذا كان الفقيه ابن تيمية- مخالفًا جماهير علماء المسلمين- لم ير استحباب هذه الزيارة، بناء على سلوك العوام، وعلى ما ذهب إليه من عدم صحة هذه الأحاديث الواردة في الترغيب فيها، فإن في تبصير الحجيج بأحكام الحج وحكمته، وأحكام الزيارة النبوية وحكمتها ما يكفي ويشفي.. ! ).
ونحن هنا يهمنا في المقام الأول، أن نبرئ سماحة الإمام الفقيه ابن تيمية من هذه الشبهة المختلقة من أساسها، وهي أن الإمام لا يرى استحباب زيارة الرسول- مخالفًا جماهير الفقهاء- ومثل هذه الشبهة أثارها من قبل خصوم لابن تيمية، ومنهم ابن حجر الهيثمي الذي كان من أشياع التصوف- وهو غير ابن حجر الفقيه مؤلف ( فتح الباري في شرح صحيح البخاري ) ومنهم أيضًا تقي الدين السبكي، الذي ألف كتاب أسماه ( شفاء السقام في زيارة خير الأنام ) وهو خليط من الحشو والمغالطات، وقد تولى الرد على هذا الكتاب العلامة المقدسي في كتاب أسماه ( الصارم المنكي في الرد على السبكي ) والعجيب أن لابن تيمية كتابًا اسمه ( الجواب الباهر ) لمن سأل من أولياء الأمور عما أفتى به في زيارة المقابر، قال فيه بما يدحض كل شبهة أثارها خصومه حول زيارة الرسول، قال رحمه اللَّه رحمة واسعة:
( قد ذكرت فيما كتبته من المناسك: أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره- كما يذكر أئمة المسلمين في مناسك الحج- عمل صالح مستحب ).
وقد عرض رحمه اللَّه لمسألة السفر إلى المسجد النبوي، وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرجال إلا إليها، كما جاء في الحديث الصحيح، فقال رحمه اللَّه: ( والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب بإجماع المسلمين، لم يقل أحد من أئمة المسلمين: أن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة، ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده- وإن كان المسافر يزور قبره عليه السلام ).
والذي يراه الإمام ابن تيمية، أن النية تنعقد على زيارة المسجد والصلاة فيه، ولا مانع من زيارة القبر وإلقاء السلام على الرسول، وهكذا كان يفعل ابن عمر، يقول بعد الصلاة في المسجد والاتجاه إلى القبر: السلام عليك يا رسول اللَّه.. السلام ع


