متى تسترد شريعة الله اعتبارها
بقلم: محمد عبد الله السمان
قد يفهم البعض أننا حين نطالب بتطبيق الشريعة، إنما نعني إقامة الحدود، بل إن العامة لا يدركون من الحدود إلا قطع يد السارق، ولكن تطبيق الشريعة يعني أن يكون الإسلام نظام حياة، يشمل كل جوانب الحياة، سياسة واقتصادًا، واجتماعًا وقضاءً، ونظام حكم، بمعنى أن ترتبط الدولة في سياستها الداخلية والخارجية بالإسلام، ولا تسلك طريقًا إلا وكتاب الله وسنة رسوله المصدر والمرجع، وفي إيجاز يجب أن نحيا حكومة وشعبًا داخل إطار الإسلام، وليس معنى هذا أن نحيا داخل دائرة مغلقة علينا، في معزل تام عن العالم، وألا نعمل على الأخذ بالحضارة والتقدم الأصيلين، فالإسلام دعوة إنسانية عالمية، تحمل رسالتها إلى البشرية قاطبة، والتفكير في الإسلام فريضة دعا إليها كتاب الله تعالى، ولكن أقصد من الحياة داخل إطار إسلامي، أن يكون منهج حياتنا منهجًا إسلاميًّا خالصًا، يرفض كل ما يصطدم بأصل من أصول الشريعة، ولا يمكن لإنسان أن يتجاهل فضل الإسلام في مجال العلم والمعرفة على أوربا، بشهادات المؤرخين من غير المسلمين.
ويجدر بنا قبل الإجابة عن السؤال الوارد، أن نكون صرحاء مع أنفسنا على الأقل ونحن نملك أن نحرك أقلامنا ونعجز عن أن نحرك ألسنتنا أحيانًا، وهذه الصراحة تقتضينا أن نضع النقاط على الحروف في أمور ثلاثة، نقر بها، ولا مفر من الإقرار بها:
الأمر الأول:
أن الأنظمة الحاكمة في ديار المسلمين، هي التي وضعت شريعة الله في هذا الأسر الرهيب، بدافعين اثنين: أولاً لأن شريعة الله عز وجل تصادم مصالح هذه الأنظمة، وتتصدى لمطامعها وتعارض أهواءها ونزعاتها، والآخر، لأن تعطيل شريعة الله أمر تقر به عيون التسلط الأجنبي، صليبيًا كان أم شيوعيًا، وتهدأ له أعصابه، وتطمئن به مشاعره، وكل الأنظمة بعضها مدين بالولاء والطاعة والتبعية للغرب الصليبي، والبعض الآخر للشرق الإلحادي، بل وليس من بينها من يملك التمرد على هذا الولاء للشرق أو للغرب، ويستقل بالولاء للإسلام.
الأمر الثاني:
سبب للأمر الأول، ونتيجة له في نفس الوقت، وهو أن الشعوب المسلمة لم تفقد اليوم ظلها- فحسب- بل فقدت وجودها أيضًا، فأصبحت حيزًا من الفراغ، وتمثل أرقامًا ميتة على الورق لا أكثر، كل هدف الشعوب أن تعيش لا أن تحيا، وفرق بين العيش الذي يتحقق بالطعام والشراب ومتع الحياة الدنيا، وبين الحياة التي لا تتحقق إلا بالمبادئ والمثل.
الأمر الثالث:
هو أن علماء الدين في ديار المسلمين، لم يعودوا أهلاً للريادة أو القيادة، بعد أن ارتبطوا بالمناصب والوظائف، وتطلعوا إلى ما هو أجل منها وأكبر، وربطوا أنفسهم بالتبعية المطلقة، والولاء الأعمى للأنظمة أيا كان لونها واتجاهها، وصاروا وسيلة إعلام لهذه الأنظمة، يزاحمون الشعراء في الزلفى إليها، تعينها على إقرار الباطل، بعد أن تلفه في ثياب الحق، بآية قرآنية فسروها على هواهم، أو بحديث نبوي أولوه على أمزجتهم.
هذه الأمور الثلاثة هي أصل الداء العضال الذي تعاني منه آلامها الشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها، وما أيسر علينا إذا سئلنا: ما المخرج؟ أن نجيب: الرجوع إلى الله… وهذا حق، ولكن كيف نعود إلى اللَّه ونحن نعلن الحرب عليه في كل مناحي حياتنا، ونتحداه بكل انحراف عن طريقه السوي، وحتى إذا قدر لنا أن نشكره على نعمة أسبغها علينا، نشكره بألسنتنا، ونعصيه بأعمالنا، نقيم احتفالات بالنصر، نبدؤها بتلاوة من آي الذكر الحكيم، ثم تتحول الاحتفالات إلى مزيج من الرقص الماجن الفاجر، والغناء الفاسق الداعر، وهكذا مثلنا مثل ثمل دارت برأسه أم الخبائث، فوقف يبول على نفسه، ولسانه يردد: اللهم اجعلني من عبادك المتطهرين.
من منطلق هذه الأمور الثلاثة التي هي أصل الداء العضال، نبحث عن الدواء، وآية واحدة من كتاب الله تعالى تنير لنا الطريق إلى منهج سليم في البناء، والبناء يقوم على دعائم ثابتة، ولا يمكن أن يقوم على أنقاض، والشبه متوافر بين الأنقاض من ناحية، وبين الأنظمة والشعوب والعلماء، التي حددنا معالم كل منها، فالآية الكريمة تقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وهذا يعني أنه إذا أردنا الإصلاح، فلا بد من التغيير الجذري الشامل، ولكن هل من اليسير أن تغير الأنظمة ما بأنفسها؟ وتجعل ولاءها لله بدلاً من ولائها لأمريكا أو روسيا؟ وإذا قلنا: إن الشعوب المسلمة أولى بتغيير ما بأنفسها، فإن هذه الشعوب في حاجة إلى قيادة وريادة، لتوعيتها حتى تستيقظ من سباتها، لكن هل هناك من هم بالقيادة والريادة أولى من علماء الدين ورثة الأنبياء؟ والمطلوب أن تكون الشعوب المسلمة شعوبًا حية حتى تفرض على الأنظمة أن تكون أنظمة مسلمة.
إذن فالمسئولية أولاً وأخيرًا تقع على عاتق علماء الدين، عليهم أن يكونوا أهلاً للقيادة والريادة، حتى يتولوا توعية الشعوب المسلمة، ولن يكونوا أهلاً للقيا


