لماذا التوحيد ..
– 5 –
للأستاذ الشيخ : محمد عبد المجيد الشافعي
الرئيس العام للجماعة
ورئيس التحرير
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا } .
والشريعة الإسلامية هي التي جعلت عمر بن الخطاب يسوي بين ملك من ملوك غسان وبين واحد من عامة المسلمين – حين أسلم جبلة بن الأبهم آخر ملوك بني غسان وفرح المسلمون بإسلامه وقدومه لحضور موسم الحج مع عمر رضي اللَّه عنه فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من فزاره واستحله ، فالتفت إليه جبله مغضبًا فلطمه فهشم أنفه . فكشى الفزاري إلى عمر بن الخطاب فقال عمر جبلة : ما دعاك أن تظلم أخاك ؟ فقال : إنه وطئ إزاري ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي عليه عيناه – يعني رأسه – فقال عمر رضي اللَّه عنه : أما أنت فقد أقررت فإما أن ترضيه وإما أن أقيده منك – قال جبلة : أتقيد مني وهو رجل سوقة – قال عمر قد شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية ، قال : قد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية – قال عمر هو ذاك – يعني لا بد من القصاص – قال : إذن أتنصر – قال له عمر إن تنصرت ضربت عنقك – قال جبلة : أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين – قال له عمر : ذلك إليك ففر في ليلته مع أصحابه إلى القسطنطينية .
وهكذا الشريعة الإسلامية التي تضرب أروع الأمثلة وأعلاها وأسماها في العدل ، فلا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ، كما يقول اللَّه تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ، وهكذا تبدو الشريعة الإسلامية أنها تبني أعظم الحضارات وتقيم أكرم الأمم على أسس من العدل والمساواة المطلقة بين الأفراد ، وقد وضعت التعصب للجنس تحت أقدامها منذ ثلاثة عشر قرنًا ، بينما نرى أمريكا المتحضرة وجنوب أفريقيا المتمدنة تترديان في ردغة الخبال غير عابئة بعدل ولا مصغية لضمير .
والتوحيد يلزم المسلم حاكمًا ومحكومًا أن يتحاكم إلى الكتاب والسنة ؛ لأنهما مناط العدل ولأن التحاكم إلى غيرهما تحاكم إلى الطاغوت والتحاكم إلى الطاغوت شرك بالله والله يقول : { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان ] .
فكيف بالذي يدع حكم الله إلى حكم الإنسان – والقرآن يقرع سمعه بما جاء في صدر سورة المائدة من قول الله تعالى : { .. إن الله يحكم ما يريد } .
كما يندد في سورة النساء بأولئك الذين يتحاكمون إلى غير كتاب الله وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجهم من عداد المؤمنين ويعتبرهم أدعياء وكاذبين فيقول سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا } ، بل ويعتبر هؤلاء من المنافقين والمنافقون هم الذين يظهرون ما لا يبطنون ، وكأنما يريد القرآن الكريم أن يحذرنا منهم لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون في أنفسهم الكفران والعصيان ، فيقول معقبًا : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } .
منافقون إذن أولئك الذين يدعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ليحكم بينهم فيعرضون – ذلك أنهم واحد من ثلاثة :
1- مريض بقلبه .
2- أو مرتاب في ربه .
3- أو رجل يخاف من الله ظلمًا ويخشى منه هضمًا ، فهو يطعن في صفة من صفاته وهي العدل ، ويفضح الله هؤلاء في قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ . وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ النور ] .
والحكم بغير ما أنزل الله اتباع للكافرين والمنافقين واتباع للكافرين والمنافقين طاعة لهم وطاعتهم أمر قد حذر الله منه ، حيث بدأ سورة الأحزاب بقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا . وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
والتقوى باب الحكمة وسبل الرشد وطريق السداد ، فكأن الخير والبر في عدم طاعة الكافرين واتباع المنافقين والشر كل الشر في طاعتهم و


