صفر 1395
لماذا التوحيد ؟
للأستاذ الشيخ محمد عبد المجيد الشافعي
الرئيس العام
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الرزاق
في النهاية لابن الأثير : أن الرزاق هو الذي خلق الأرزاق ووصلها للمخلوقين من الجن والإنس والطير والوحوش والحشرات والنباتات وكافة المخلوقات ذات الحياة .
وعلى هذا فهو سبحانه الذي صب الماء صبًا ثم شق الأرض شقًا فأنبت فيها حبًا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلاً وحدائق غلبًا وفاكهة وأبا متاعًا للإنسان والأنعام .
والرزاق هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . ومن ذلك الطير الذي يفقس بيضه في بلد حتى إذا كبر هجر البلد الذي فقس فيه وعبر البحر إلى بلد آخر ليكون رزقًا حسنًا للبلد الذي هاجر إليه ، وأسماك معينة تخرج من جحورها في البحار والأنهار التي تعيش فيها في شهر معين من كل سنة وتأخذ طريقها من النهر إلى البحر إلى المحيط حتى تصل إلى المكسيك وهي أنثى ثعابين السمك تبيض بيضها ويفقس فقسها ، ثم يتوزع من جديد على بلاد العالم لحمًا طريًا ورزقًا طيبًا ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون ، وحبات تبذر وأشجار تزرع في أرض واحدة وتسقى بماء واحد فتأخذ كل واحدة منها ما يناسبها من العناصر التي اختصها الله بها من الأرض ويفضل الله بعضها على بعض في الأكل ومن وحكمته وقدرته يخلق له الطين سكرًا ورزقًا حسنًا كما يقول ربنا جل شأنه : { وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
والنحل تطير من أعشاشها ثم تنحط على تلك الشجر تمتص من زهرها وتنقل من دوحة إلى دوحة ومن زهرة إلى زهرة فتأخذ من عصيرها وتمتص من رحيقها ثم تعود إلى بيوتها فتصب فيه عسلها كما يقول الله سبحانه وتعالى : { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ 68 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
وكثرة الشيء إذا كانت حاجة الناس إليه ضرورة لا غنى عنها ولا يحيا الإنسان إلا بها كالماء والهواء جعل الله هذه الكثرة من تلك الأشياء متمشية مع مصالح الإنسان حتى يحصل عليها بغير ثمن يدفعه ولا جهد يبذله لأنه الرحمن الرحيم والرزاق ذو القوة المتين .
وسنة التوالد جعلها الله مطردة مع مصالح الإنسان والحيوان فكلما صغر الشيء اشتدت حاجة الخلائق إليه ليكون غذاءً لها كان التوالد فيه كثيرًا ويسيرًا – فهذه حبة القمح يخرج منها عود وفي العود سنبلتان أو ثلاث سنابل في كل سنبلة سبعون حبة وتلك حبة الذرة يخرج منها العود وفيه كوز أو كوزان رصت منهما حبات الذرة رصًا وصفت صفًا صفًا بطريقة منظمة وبصورة محكمة تدل على أنه الخلاق العظيم والرزاق الكريم .
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ممن تدعون من دون الله ومن يخلق حبة أو يحيي الأرض بعد موتها أو يفتح الزهرة ويصبغها بألوانها التي تبهر الأنظار بأصباغها .
وهذه الأنعام تأكل ألوانًا من نبات شتى يعاف الإنسان أن يأكلها فيحلها الله الرزاق في بطونها لبنًا شهيًا كما يقول الله سبحانه : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } وغير ذلك كثير .
والرزق والأجل :
علم الله سبحانه أن الرزق والأجل هما الأمران اللذان سيشغلان الإنسان ويفزعانه يقلقانه كلما خيل إليه أنه مهدد بحبس رزقه أو انقطاع حياته وأنه حرصًا على رزقه وأجله سيضعف أمام الجانبين وسيكون مهينًا في مواجهة المتكبرين وأنه سيفر خوفًا من الموت من صفوف المجاهدين وأنه سيكون جبانًا يقبل الظلم ويرضى بالخسف من الظالمين والجائرين ومن ثم تختفي دولة الحق وتستعلن دولة الظلم والخسف وما اللَّه يريد ظلمًا للعالمين .
وحتى يكون المسلم شجاعًا ينتصر للحق مقدامًا يصارع الباطل أبيًا لا يقبل الضيم كريمًا لا يرضى بالمهانة عزيزًا يمتنع عن المذلة لأن العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين .
فيكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا يتسم بصفة الحق وسيادة العدل واستقرار السلام .
وحتى ينصرف الإنسان المسلم إلى العلم يحصله وإلى العمل يتقنه وإلى المال الحلال يجمعه وإلى التجارة يديرها وإلى الصناعة يتفنن فيها وإلى الإنتاج يزيد فيه بكل وسائله .
فقد جاء القرآن الكريم يعلن أن الأجل والرزق أمران قد تكفل الله بهما للإنسان ، فحدد أجله وضمن رزقه ، أما الأجل ففي قوله تعالى : { ولكل أجل كتاب } وأما الرزق فهو مؤكد ومضمون من الرزاق بقوله جل شأنه : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ


