بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير
الجرأة على الفتيا
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله – وبعد:
فقد أثار مفتى الجمهورية فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوى منذ أكثر من عام قضية أرباح البنوك وشهادات الاستثمار حيث أفتى بأن هذه المعاملات حلال ولا غبار عليها . وقامت مجلة الأزهر التى يصدرها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بالرد على هذه الفتاوى بعدة بحوث علمية ومقالات بأقلام العلماء المتخصصين الذين بينوا حرمة هذه المعاملات التى أحلها المفتى .
وبعد البلبلة التى أحدثها فضيلة المفتى بين المسلمين بهذه الفتاوى التى ناقض فيها ما كان أفتى به من قبل … عاد مرة أخرى حيث قدم دراسة مستفيضة نشرتها جريدة الأهرام فى أربعة أعداد متتالية من 12 إلى 15 ذى القعدة 1411 (26-29 مايو 1991) مما زاد من بلبلة المسلمين وحيرتهم .
لكن مما أثلج صدورنا أن قام الأزهر مرة أخرى بالرد على المفتى . وكان ذلك الرد فى كتيب بعنوان ( البنوك والاستثمار ) تأليف الأستاذ الدكتور على السالوس أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة جامعة قطر وخبير الفقه والاقتصاد بالمجمع الفقهى بمنظمة المؤتمر الإسلامى . وتم توزيع هذا الكتيب هدية مجانية مع مجلة الأزهر عدد شهر ذى الحجة 1411 حيث تناول فيه كاتبه الرد على المفتى فقرة فقرة وبين الأخطاء التى وقع فيها المفتى فى بحثه مما لا نستطيع التعليق عليه تعليقا مفصلا فى مثل هذا المقال . وإنما نرجو أن يوفقنا اله تعالى لنشره على حلقات فى مجلة التوحيد ليقف عليه القراء الذين فاتتهم قراءته .
والجدير بالذكر أيضا أن مجلة الأزهر فى عددها المذكور (عدد ذى الحجة 1411) نشرت فتوى لفضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر يرد فيها على بعض الأسئلة التى وصلته من مركز بلال الإسلامى فى شمال كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية منها سؤال عن أخذ الأرباح التى تقدمها البنوك فى أمريكا . وقد أجاب شيخ الأزهر بكلام كثير فى مقدمته ( تقضى نصوص القرآن والسنة النبوية الشريفة أن الفائدة المشروطة المحددة مقدما كتابة أو عرفا التى تصرفها البنوك نظير إيداع الأموال بها هى من قبيل الربا المحرم شرعا ، ولا فرق فى حرمة التعامل بالربا بين الأفراد والجماعات ، أو بين الأفراد والدول ، ولا يحل لمسلم الانتفاع بها فى حاجته الخاصة ، ومتطلبات حياته هو وأسرته ( غذاء أو كساء أو غيرهما ) لأنها كما تقدم من الربا المحرم … ) تلك هى فتوى شيخ الأزهر عن أرباح البنوك .
ومن الموضوعات التى أثارتها مجلة الأزهر فى ملحقها يعدد ذى الحجة 1411 قضية شهادات الاستثمار ذات العائد التى كان المستشار الدكتور محمد شوقى الفنجرى قد جعلها وقفا ينتفع بعائدها لصالح مركز إعاقة الطفولة بجامعة الأزهر وقيمتها خمسون ألف جنيه وبلغ عائدها 8125 جنيها وبرفع الأمر إلى الجامعة ومناقشة قبول هذا التبرع اقترح رئيس الجامعة تكليف عميد كلية الشريعة والقانون بتكوين لجنة من علماء المذاهب الثلاثة : الشافعى والمالكى والحنفى .. لدراسة هذا الموضوع .
اجتمعت اللجنة ودرست طبيعة هذه الشهادات فى ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعدها ورأت بالإجماع ( أن هذه الشهادات لا يتفق التعامل بها مع مبادئ الشريعة وقواعدها ويتضح من ذلك أن دراسة طبيعتها : فهى عبارة عن صك يتم شراؤه بقيمة محددة . ويلتزم البنك بأن يدفع للمشترى فائدة سنوية أو نصف سنوية تحدد هذه الفائدة مقدما عند الشراء ولمدة سريان الصك مودعا بالبنك . كما يلتزم البنك بإرجاع قيمة الشهادة كاملة عند انتهاء مدتها ، وليس لذلك علاقة بأعمال البنك من ربح أو خسارة …… إلخ . ) هذا نص ما أجمعت عليه اللجنة . إلى أن قالت فى ختام بحثها ( ومن هذا العرض يتبين أن شهادة الاستثمار مجموعة (ب) ذات العائد قرض إنتاجى ربوى ، لا يجوز التعامل بها ، وعلى المسلم أن يبتعد عن الشبهات ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام . والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ) .
وبعرض هذه الدراسة على رئيس الجامعة كتب لعميد كلية الشريعة والقانون يقول ( لا خلاف فى حرمة هذه المعاملة لكنا نريد الرأى فى أن المتبرع اتخذ هذه الوسيلة ، وتم التسجيل والكتابة على الشهادات بأنها وقف لا تباع ، فهل نقبل العائد المخصص للأطفال المعاقين خاصة اليتامى منهم أم لا ؟ مع العلم بأن قبول العائد يخلصه من الإثم ) .
ومرة ثانية أحيل الموضوع إلى هذه اللجنة لدراسة ما أثاره رئيس الجامعة فكتبت اللجنة فتواها مفصلة بتحريم العائد كما أفادت بأن الجامعة لا تقبل هذا الحرام . وكان مما قالته اللجنة فى ردها ( إن هذا المتبرع تبرع بمال حرام ، وقبوله يتنافى مع رسالة الأزهر التى تقوم – ضمن ما تقوم عليه – على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وجوهرهما الحث على فعل الحلال والبعد عن ارتكاب الحرام ، وليس من المقبول شرعا أن يدعو الأزهر إلى البعد عن


