الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

كذلك يضرب الله الحق بالباطل

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

كذلك يضربُ الله الحق والباطل
بقلم: عبد الكريم الخطيب
الخير والشر، والحق والباطل، والنور والظلام، والبرد والحر، والحلو والمر، والصحة والمرض، والحياة والموت، وغير ذلك من المتقابلات تقابل التضاد- هي من سنن الله تعالى في هذا الوجود، وبها ملاك نظامه، وانكشاف حقائقه، ولولا هذه الثنائية لما استبانت وجوه الأشياء، ولما تميز بعضها من بعض، فالشيء- أي شيء- إنما تعرف حقيقته بضده الذي يقابله، فهذا الضد هو المرآة التي يرى على صفحتها الشيء المضاد له، وقد قيل- بحق-: (وبضدها تتميز الأشياء).
ثم إن هذه الثنائية في عوالم المخلوقات، دليل مشهود على وحدانية الله تعالى، وأنه سبحانه هو الواحد الذي لا مثيل له، ولا ضد له.
والحق، اسم من أسماء الله تعالى، وبالحق قام هذا الوجود، وبالحق حفظ الله نظام الموجودات، وأقامها على ميزان الحكمة، والعدل والإحسان.
وغير الحق، هو الباطل، والضلال، والمنكر، من معتقدات، وأقوال، وأفعال. يقول الله تعالى: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: 32]. ويقول سبحانه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114]. ويقول جل شأنه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62]. ويقول تبارك اسمه: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
فالحق جوهر المعاني، والأشياء، والباطل عارض دخيل يعرض لهذه المعاني وتلك الأشياء، كما يعرض الدخان لضوء الشمس لا يلبث أن يزول، ويعود للشمس إشراقها، وكالغثاء يعلق بماء النهر المتدفق، ثم لا يلبث أن يلقي به النهر بعيدًا عن مجراه.
إن للحق أصولاً ثابتة في الحياة، هي الروح الساري في هذا الوجود، وهي القاهرة لكل باطل، حيث يكون للباطل زبد ورغاء عند تشبثه بالحق، وتعلقه به، كما تتعلق النباتات الطفيلية بأصول الأشجار الكريمة، تريد أن تمسك بها عن أن تتصعد إلى السماء وأن تمتد بأعناقها إلى كل اتجاه، والأشجار ماضية إلى غاياتها، لا تعبأ بهذا الباطل المتعلق بأقدامها.
وقد ضرب الله تعالى مثلاً لما بين الحق والباطل من صراع، يريد فيه الحق أن يحقق وجوده كله، فلا يكون للباطل مكان معه، ويريد الباطل أن يكون له وجود مع الحق، أو انفراد بهذا الوجود إن استطاع أن يقهر الحق. يقول الله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17].
فالماء الذي ينزل من السماء نقيًا صافيًا لا شائبة فيه، يشبه الحق في صفائه ونقائه، وفي أنه مصدر الخير والإسعاد للناس، كالماء الذي فيه حياة كل حي.
ثم إن هذا الماء المنزل من السماء نقيًا صافيًا، حين يخالط الأرض، ويجري متدفقًا بين سهولها ووديانها، يدفع في تياره ما يلقاه على طريقه، من حطب وعشب ونحوهما، فيحدث من احتكاك الماء بهذا الغثاء زبد يعلو سطح الماء، وهو تلك الفقاعات الهوائية، التي لا تلبث حتى تتلاشى، ويبقى ما ينفع الناس من ماء، وقد ضرب الله تعالى لذلك مثلاً فقال سبحانه: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} أي: أنه حين يوقد بالنار على المعادن لصنع حلي منها، كالذهب والفضة، أو لصنع آنية من حديد أو نحاس، ونحو هذا، عندئذ تتحول تلك المعادن بفعل النار إلى سائل أشبه بالماء، ويعلو هذا السائل زبد، هو ما كان قد خالط تلك المعادن من مواد غريبة، فيلقى بها بعيدًا، بعد أن خلصت تلك المعادن منها.
ونرى من هذا، أن الماء لم يتخلص من الشوائب العالقة به إلا بعد جريان هذا الماء جريانًا قويًا متدفقًا.. حتى تخلص من تلك الشوائب، ولو ظل راكدًا لغطت تلك الشوائب وجهه، ثم لأفسدت طبيعته، وجعلته موطنًا للجراثيم والحشرات.. كما نرى أن المعادن حين تعرضت للنار التي صهرتها، حتى تحولت إلى سوائل، قد تخلصت من الشوائب التي خالطتها، وأنها لو لم تسلط عليها تلك النار الشديدة الإحراق، لما كان لها سبيل إلى الخلاص من هذه الأجسام الغريبة التي امترجت بها..
ومعنى هذا، أن الحق الذي هو محمل الخير، والحياة الطيبة للناس، إذا لم يكن له من الناس من يحرسه ويدفع عنه شوائب الباطل التي تتدسس إليه- فإن وجه الحق يختفي عن الناس، ثم لا يكون لهم إلا الباطل يمسكون به، ويستقون من موارده المحملة بالسموم القاتلة.
وإنه لا بد للحق من جند يحرسونه، ويحمون موارده من أن يأخذ الباطل ا

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا