قراءة فى كتاب
على بن المأمون والحمال
وردت هذه القصة فى ” كتاب التوابين ” لأبى محمد عبد الله بن أحمد بن محمد
، موفق الدين بن قدامه المقدسى ، المتوفى سنة 620هـ /1223م
قال : ” كان الخليفة المأمون يجد بابنه على وجداً شديداً ، ويقمه على جميع أولاده ، وكان من أحسن الناس وأجملهم ، مع أدب وفصاحة ” .
وقال عبد الحميد بن محمد : ” وكنت إذا دخلت الدار أميل إليه ، فأسلم عليه ، فأرى معه حياء ، وبشاشة ، ولا أرى فيه كبراً ولا عزاً ، يضاحك خدمه ، ويلاطف جلساءه ، ثم هو أسخى من رأت عيناى ، وأحسنهم خلقاً وأطيبهم نفساً . وكنت إذا رأيته لا أكاد أصرف وجهى عنه من حسنه وجماله ” .
وكان سبب تزهده فيما أخبرنى به ” شاكر ” مولاه ، قال : ” كان فى يوم صائف شديد الحر ، له سموم ، فى قبة الجيش ، فأتاه ” يمن ” الخادم ، فقال : يا سيدى أمير المؤمنين يدعوك ، وقد دعا بطعامه وهو ينتظرك ” .
قال : ويحك الحر شديد ويؤذينى فأعلمه أنك وجدتنى نائماً ” .
فمضى ، فلم يكن بأسرع من أن رجع ، فقال : ” قد قال : ادخل عليه ونبهه ” . وكان المأمون لا يصبر عنه ساعة . فقام على وهو كاره فحضر الطعام ، ثم قعد المأمون للشراب مع ندمائه . فقام على وخرج من المجلس ، وكان لا يشرب شيئاً من الأنبذة ، فانصرف إلى قصره ، وأمر أن يفرش له فى بعض مستشرفه على دجلة ، وألقى فيه الماء والثلج ، وقعد على سرير عليه غلالة ، ينظر إلى الناس وإلى دجلة . ودعا بقيانه وندمائه .
فبينا هو كذلك إذ نظر إلى حمال قد أقبل عند الزوال ، عليه دراعة صوف بيضاء بالية ، بلا قميص تحتها ، ولا سراويل عليه . وقد شد على رجليه خرقاً من الحر ، ولبس نعلين متخرقين ، وعلى رأسه خرقة ، وعلى عنقه كرزنة وطبقه . فأتى دجلة وقعد فى بعض السفن . والأمير ينظر إليه ، مستشرف عليه ، لا يصرف بصره عنه . فوضع طبقه وكرزنه ، وخلع نعليه وألقى الخرق عن رجليه ودنا من دجلة وغسل يديه ورجليه ، وانصرف إلى موضعه . فأخرج جراباً له ، ففتحه ، وأخرج منه كسراً يابسة مختلفة الألوان ، وأخرج منه قصيعة خشب ، فغسل قصعته ، وجعل فيها ماء ، وألقى تلك الكسر فى الماء الذى فى القصعة ، ثم أخرج صرة ففتحها ، وأخرج منها ملحاً فنثره على الخبز وقليل سعتر ، وتركها مقدار ما بل الكسر . ثم تربع على الرمل ، وسمى الله تبارك وتعالى ، وأكل أكل رجل يشتهى الطعام ، وهو مع ذلك يشكر الله تعالى ، والأمير عيناه إليه .
حتى فرغ وغسل القصعة فردها إلى جرابه مع كسيرات بقيت ، وشد . خرقة الملح . ودنا من الشط ، فاغترف بكفيه من الماء ، وقال : ” يا سيدى ومولاى لك الحمد على هذه النعمة التى تفضلت بها علىّ ، فلك الحمد على أياديك عندى ، لك الحمد ولك الشكر ” . ثم وضع رأسه على كرزنه وتمدد على الرمل ساعة ، ثم قام فتهيأ للصلاة وقام يصلى للزوال .
فقال الأمير للغلمان الوقوف عنده : ” ليذهب بعضكم إلى الرجل القائم المصلى ، فيأتينى به مع طبقه وكرزنه ، ولا يرعبه ، وعليه باللطف حتى يأتينى به ” .
فمضى بعض الغلمان فأتاه فأقام عنده حتى سلم ، ثم قال له : قم معى حتى تحمل لى متعاً من قصر الأمير . فقال : اطلب غيرى فإنى متعوب البدن . قال : الموضع قريب ، والحمل خفيف . قال : يا حبيبى قد عرفت ذلك ، وأنت تصيب غيرى ، فاعفنى ، فإنى أكره دخول الدار . قال : لا بد منه ، فإن قمت ، وإلا أقمت . وغلظ له فى الكلام .
فقام الرجل ، وألقى كرزنه فى عنقه ، وحمل الطبق ، وقرأ ” وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ” فأدخله الغلام القصر ، ثم أصعده حتى أوقفه بين يدى الأمير على هيئته ، فأمره بالقعود . فقال له الندماء :- أيها الأمير من هذا حتى تأمره بالقعود مع وسخه ونجاسته ” . قال ” اسكتوا ” .
ثم قال : ” من أهلها أنت ؟ ” قال : ” نعم ” . قال : ” ما صناعتك ” ؟ قال : ” ما ترى ، الحمل ” قال : ” وكم عيالك ؟ ” . قال : ” نحن عيال الله ، لى والدة عجوز مقعدة ، وأخت عمياء رضية ؟ . قال : ” فأهل ولا ولد ؟ ” . قال : ” ما لى أهل ولا ولد ” . قال : ” فكم يكون الكسب ؟ ” . قال : ” على قدر ما أرزق ، إلا أنه لا ينصرم يوم إلا ونحن فى كفاية من فضل الله تعالى ” . قال : ” فتطيق الحمل كل يوم ؟ ” . قال :- ” إذا صليت الفجر خرجت فتعرضت للرزق إلى وقت الزوال ، ثم أتفرغ لنفسى إلى فراغى من صلاة العصر ، وأجم نفسى من العصر إلى الليل ” . قال : ” أفليس يكون الليل جماماً ؟ ” . قال : ” إن أجممت نفسى بالليل تركنى فقيراً يوم القيامة ”
ففطن لها علىّ ، فقال : إنى رأيتك تأكل وحدك كيف لا تأكل مع والدتك وأختك ؟ ” . قال : ” إنهما يصومان ، فأجعل عشاى مع فطرهما ” قال : ” أخرج الكسر ” ففتح جرابه فأخرج منه كسراً يابسة أسود وأحمر وأبيض . فنظر إليها الأمير ساعة يتأملها متفكراً ، ثم قال : ” يا شاكر ، ايتنى بخمسة آلاف درهم صحاح ، فادفعها إليه ليصلح بها حاله ” .
قال : “


