الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

فى مدارج القوة بين المنطلق والغاية

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

زاد الدعاة
بخاري أحمد عبده
المقال الثاني
موجه التربية الدينية واللغة العربية

في مدارج القوة بين المنطلق والغاية

كذلك كانت السماء تتعهد قلوب المؤمنين فتزجى حشودا من المعاني لتستحيل في الأفئدة يقينا وقوة وبشريات. وكذلك كان القرآن يطب النفوس ويسحجها حتى تكون ملساء بيضاء مثل الصفا لا تضرها فتنة ما دامت السموات والأرض.
ولقد اهتدينا في مسيرتنا السابقة بآيات مربيات، يرسي الله بها قواعد القوة فيتهدد القوى المضادة، ويعلن أنه سبحانه مبرم قضاءه، وممض سنته التي كتبها على نفسه “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز” [المجادلة]
ويتكرر هذا المفهوم، وتتوالى وعود الله المؤكده كلما اقتضى المقام ذلك “ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) [الفتح].
ولعل من المناسب أن نستعيد هنا آيات الصافات نستروح أنسامها ونستقبل هداياتها التي فعلت فعل البلسم الشافي في قلوب المؤمنين “فكفروا به فسوف يعلمون، ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم. لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عنهم حتى حين، وأبصرهم فسوف يبصرون، أفبعذابنا يستعجلون، فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين، وتول عنهم حتى حين، وأبصر فسوف يبصرون” [الصافات].
فالآيات هذه طابقت مقتضى الحال، وراعت ظروف المسلمين كل المراعاة.
فالمقام مقام إعلاء للروح، وإذكاء للعزائم، وتجميع لشعث القوى المنتفضة من جوى الواقع، وبرح الحاضر الملتهب، ومقام تلويح بالنصر، وتأكيد للعاقبة المحمودة.
ولتحقيق هذه الأهداف حفلت الآيات بتأكيدات شتى تجتث جذور القلق الذي تثيره ضربات القوى المضادة المجنونة.
تأكيدات بأن، واللام، وقد، وبكلمة سبقت التي تعني البت، وتوحي بالالتزام وبضمير العظمة الذي يستحضر عظمة الواعد وقوة الناصر في كلمتنا، عبادنا، جندنا، أفبعذابنا.
والقرآن الذي يشحن النفوس بالمعاني المنطلقة من ضمير العظمة، هذا القرآن يستعمل في مقامات التلطف والرفق ياء المتكلم التي توحي بالقرب، وتزيل الوحشة، وتنشر برد الأمان والاطمئنان، ويتجلي هذا أكثر ما يتجلى في آية الدعاء “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي” [البقرة].
فأنت ترى أن هذه الياءات المذكورة والمحذوفة تضفي على المقام راحة، وأملا في رحمة الله التي وسعت كل شيء، وترسل موسيقى عذبة تملأ الاعطاف وتهدئ الأعصاب.
فإذا أضفنا إلى ما ذكرنا ما نرى (في آية الصافات) من ضمائر الفصل، ومن تكرار كلمات (تول) و(أبصر)، و(يبصرون) رعنا حشد من عوامل التأكيد يزف موكب النور إلى القلوب ويقر أسباب اليقين والثقة والأمل في نفوس المستضعفين وذلك طب القرآن، والآيات تأمر بالتريث والانتظار فتول عنهم حتى حين ولقد تولى المسلمون حينا من بعد حين، رأوا عقبهما مصارع الطغاة في بدر، ثم الاستسلام المطلق يوم جاء نصر الله والفتح.
التربية للهجرة
وإذا تقرر أن قد زين للناس حب الشهوات بأنواعها المختلفة، فإن الاستقرار والأرض هما العاملان اللذان يتيحان للناس ممارستها، فالأرض هى الحرز لكل الشهوات، والموطن مركوز في الطباع فالإنسان بطبيعته مشدود إلى التربة وإقتلاع الإنسان نفسه من نطاقها يتطلب جهدا لا يقل عن الجهد الذي يبذل كي نخرج بمركباتنا الفضائية من نطاق جاذبية الأرض يتطلب تربية رشيدة تبصر بحقيقة متاع الحياة الدنيا، وتبشر بما عند الله من حسن المآب. والله تعالى بعد أن يصور ضعة الطبيعة البشرية المخلدة كل الإخلاد إلى الشهوات والأرض – يقذف بالحقيقة على هذه الصورة ويشجب معالمها فيسرع سبحانه ويقرر أن ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، ثم يعرض بعد ذلك مباشرة صورة مقابلة لتلك،عناصرها الخيرية المطلقة، والنعيم الجميل، والازدواج الطاهر، والرضا، والرعاية “قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد، الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار” [آل عمران].
وظني أن القرآن حين يدمغ النزعة الشهوية بتلك الآيات، وحين بعرض موقف السحرة، ويسجل. قالتهم في مواجهة طغيان فرعون “قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا” [طه]
وحين يسجل من أقوال الذي آمن قوله: “يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هى دار القرار” [غافر] وحين يركز على هذا المعنى في آيات كثيرة أخرى. إنما يستهدف – فيما يستهدف – تربية المسلمين ليوم الهجرة وأيام الجهاد.
والله يتعهد رسوله – صلى الله عليه وسلم – بهذه التربية، ويهيئه نفسيا ليوم الخروج حتى يصبر نفسه كما صبر أولو العزم من الرسل.
فهو سبحا

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا