في الزكاة
بقلم عبد الرحمن أحمد شادي
يحاول بعض الجاحدين للمعاني الإسلامية تشويه معنى الزكاة والصدقة والإحسان والبر والخيرات والاوقاف الخ وينفرون من هذه الكلمات نفرة السليم من الأجرب كأنها عار الأبد وذل الدهر ووصمة العمر ويطلقون ألسنتهم وأقلامهم بالعيب فيها وذمها بمناسبة وبغير مناسبة فيقولون أن الزكاة أوالصدقة أوالإحسان يجعل المحتاج واقعا في أثرها إلى الأبد ويصيره غارقا في ذل اليد السفلى طول العمر وتحول بعض المجتمع إلى ملاجيء وتكايا وهي من جانب آخر تشبه الحقن المسكنة لآلام المرض وليست علاجا كاملا يقضي عليه بصفة نهائية وللرد عليهم نقول
إن من السنن الثابتة في الأرض التغير المستمر البسط والقبض والرفع والخفض والصحة والمرض والغنى والفقر والقدرة على العمل والعجز عن أدائه والطفولة والرجولة والشيخوخة
فليس هناك غني سيظل في غناه إلى الأبد وليس هناك فقير سيبقى محتاجا طول عمره وهناك الأطفال الصغار الذين يأكلون دون أن يقدروا على العمل بل إن فيهم من هو دون سن التمييز لا يعرف للعمل معنى
وهناك الشيوخ الكبار الذين عجزوا عن العمل بعد قدرة عليه وهناك المرضى بصفة دائمة في الأمراض المستعصية وبصفة مؤقتة في الأمراض التي يجدي فيها العلاج وينفع فيها الدواء
وهناك العاطلون عن العمل بسبب لا ذنب لهم فيه وهناك من يؤدون أعمالا لا يأخذون عليها أجراً كطلاب العلم والذين يتدربون على الحرف
وهناك من يعملون ثم يأخذون أجرا دون كفايتهم وهناك من يتعرضون للأزمات والكساد والأفلاس والبطالة والسرقة وسائر أنواع المغارم التي تأتي فجأة دون أن تكون على بال ولا نية
هذه أطوار يتعرض لها كل انسان مهما صغر مقامه أوكبرت منزلته ولوكان هو الذي يسن القوانين أويفرض الضرائب أويخطط للميزانية أويدير المصارف أويشرف على المصانع
حتى الملوك والرؤساء والوزراء والوكلاء والنواب يتعرضون لهذه الأحوال والأطوار ويكونون في أشد العون وأمس الحاجة إذا هبت عليهم ريح مضادة أطارت من تحتهم الكراسي وضيعت عليهم المناصب وصادرت منهم الأموال
فهم في حاجة إلى المعاشات لهم ولأسرهم لا يخلوأي مجتمع في العالم من الأطفال وطلاب العلم والعاطلين والمرضى والشيوخ الكبار والعمال الفقراء
فهل تترك هذه الطوائف التي لا يخلومنها بلد أوبيئة في أي دولة رأسمالية أوإشتراكية أوشيوعية تموت جوعاً وعطشاً ومرضاً وعريا ؟ أم يمد المجتمع لهم يد العون ويكفل لهم القوت والحياة الكريمة في الطفولة السعيدة أوالشيخوخة الهادئة ؟
تسمى العناية والرعاية بهذه الأصناف وتفصيلها وارد في آية مصارف الزكاة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) – تسمى هذه العناية بهذه الأصناف زكاة وإحسانا وصدقات للربط بين العون والهدف المقصود من أجله وهو رضوان الله تعالى –
ووصل هذه الواجبات الأخلاقية بالدين لتنبع من الوازع الديني بدلا من أن تفرض عليه من الخارج فينتهز أية فرصة تسنح للهرب منها وبأية وسيلة تعرض له
وما أكثر طرق الهرب من الضرائب والتحايل على القوانين بل واستخدام الخبراء أنفسهم من أهل الضرائب والقوانين للنفاذ من الثغرات
وتسمى هذه العناية والرعاية في القوانين الوضعية تأمينات إجتماعية ضد البطالة والمرض والعجز والشيخوخة والإصابة ومعاشات
هل تعاب هذه المساعدات حين تحمل اسم الزكاة والصدقات وتمدح حين يطلق عليها تأمينات ومعاشات ؟
وعمر هذه التأمينات لا يزيد في الدول الأوربية عن قرن فقد بدأت في ألمانيا سنة 1883 م وهي موجودة في الإسلام بأسمائها الخاصة الاصطلاحية المعروفة قبل ذلك بألف وثلاثمائة عام
ويشترط أن يدفع المؤمن أقساط شهرية أما في الإسلام فيدفع الغني الزكاة ومقاديرها في أنواع الأموال ومصادر الثروة معروفة في كتب الحديث والفقه في كل عام مرة للعناية بهذه الأصناف المتقدمة
فالعبء كله على الغني ولا يدفع الفقير – جبرا والتزاما – قسطا شهريا أوسنويا في نظام الإسلام
ثم هل هناك مانع من استثمار أموال الزكاة والإحسان والصدقات في المشاريع الإنتاجية الكبرى وتنفق المكاسب على الأغراض السالفة الذكر ؟ فنكون قد حققنا هدفين في وقت واحد أحدهما أن نحول العاطلين إلى عمال يأخذون أجرا على أعمالهم ويستغنون بكدهم عن الحياة عالة على المجتمع والهدف الثاني هو حفظ كرامة الأطفال الصغار والشيوخ والمرضى والأرامل واليتامى وفرص هؤلاء في العمل ضعيفة أو معدومة كما بينا
هل وجد أحد في الإسلام ما يمنعه من احياء الموات وزراعة كل شبر من الأراضي البور واستخدام كل جهد عضلي أو فكري عند الإنسان واستغلال كل قطرة من المياه وإقامة مصنع في كل بلد لازدهار البلاد الإسلامية وغناها وتحقيق


