في الأولياء والولاية الحقيقة
– 2-
للدكتور / إبراهيم هلال
لننظر إلى الصحابه في سلوكهم مع رعيتهم ، أو مع إخوانهم : هل كان بهم كبرأو صلف ؟! إن القرآن الكريم يصفهم بأنهم (( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)) هل كان بين بعضهم وبعض شقاق أو تنافر ؟! القرآن الكريم يصفهم بأنهم ( أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ( وليس عطاء من أحد . ولا فضلا من مخلوق ، ولم يقولوا انا قد وصلنا ونزلت فينا الآيات القرآنية تسجل ولايتنا ، بل قارنوا بينهم وبين الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأنهم أحوج منه إلى العبادة وقالوا إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . لم يفرضوا اتاوة نظير تلك الولاية على من دونهم من بقية العرب أو المسلمين، لم يتزيوا بزي خاص يعرفون به من بين بقية المسلمين العاديين كما يفعل الصوفية اليوم، وإنما لبسوا كما يلبس العاديون من الناس ، لم يدعوا شرفا ولا نسبا ، إلا ما شرفهم به القرآن الكريم بما عملوا وبما أنفقوا وجاهدوا . كان منهم من يباشر الأعمال اليومية اليدوية ويكسب قوته بعرق جبينه ، فمنهم الزارع ومنهم الصانع ومنهم الحمال ومنهم التاجر .. إلخ ما هنالك من أعمال كلها تعمل على رواج المجتمع ويسار الفرد ورخائه ، وكلهم أولياء بكامل معنى تلك الكلمة بل لقد وجدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد بشر عشرة منهم بالجنة فما اتخذوا لذلك شعارا ولا شارة تميزهم . ووجدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول لأهل بدر : (( إن الله قد طلع عليكم فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) فلم يقصروا في العمل ولم يرتكنوا إلى ذلك ولم يخصوا أنفسهم بمظهر معين ، وكذلك أهل بيعة الرضوان- وهم معروفون- الذين قال الله فيهم : ( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ( ، فلم يخصوا أنفسهم بلبس الأحمر ولا الأخضر دون بقية الناس . وهكذا أولياء الله ، إنما هم أولياء بقدر ما يقدمون لأنفسهم ولأمتهم من خير ومن نفع وبقدر ما يساهمون في بناء حضارتها والعمل على جعلها أمة قوامة على الأمم ، وبقدر تنفيذهم لقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- ((التمسوا الرزق في خبايا الأرض )) ولقوله- صلى الله عليه وسلم- : ((من أمسى آمنا في سربه كالا من عمل يده أمسى مغفورا له )) ، ولقوله تعالى : ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور( .
وهكذا نجد أولياء الله هم المؤمنون المتقون ، كما يقول ابن تيمية في رسالة (( الصوفية والفقراء )) سواء سمى أحدهم فقيها ، أو عالما أو تاجرا أو جنديا أو صانعا أو أميرا أو حاكما أو غير ذلك )) ، وكما يقول في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : (( وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور والمباحات ، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذاكان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفر إذا كان مباحا كما قيل : كم من صديق في قباء ، وكم من زنديق في عباء . بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجودن في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع )) .
هكذا كان الصحابة- رضي الله عنه- في حياتهم وبعد موتهم لم يتميزوا عن بقية الأموات بشيء ولم تحك حولهم الدعاية التي تحاك حول أولياء اليوم المزيفين وكانوا عند قوله- صلى الله عليه وسلم- : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وعند قوله : (( أولئك إذامات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فية تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله )) ، فلم يرفعوا قبرا ولم يبنوا حوله مسجدا ((فلتسم نظرتنا إلى معنى الولاية الإسلامية فلا نتخيل فيها إلا سلوك هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ، ولنحذ حذوهم في كل ما سلكوا ، ولنعلم أن الفرد من البشر لا يملك لأخيه ضرا ولا نفعا ، وأن الله قد أمرنا باتخاذ الأسباب للوصول إلى المسببات إلى جانب التوكل عليه وألا نلجأ إلا إليه (وإذاسألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذادعان ( فنظام الكون قائم على نظرية السببية ، هكذا خلقه الله ، ليكون منا العاملون الكادحون ، لا المتواكلون المفرطون ، ولهذا كان الإنسان كما يقول العقاد هو المخلوق المكلف ، وهي أشرف تسمية له وأشرف مكان في الوجود وضعه الله فيه ، ولذلك جعله في مكان الخلافة في الأرض وقال لنا : ( واستعمركم فيها ( وهي حظوة لم تنلها الملائكة وحسدت آدم عليها ، نعم هي حظوة أي حظوة فخاصية التكليف هذه إذا كان الإنسان فيها عندما أمره الله كان وجيها في الدنيا ، وفي الآخـرة مـن المقربين ، وعلى هذا فقوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( معناها إلا ليعملوا للدين والدنيا فلتسم عقيدتنا معشر المسلمين إلى التفقه


