عمن نأخذ ديننا؟
بقلم: محمد عبد الله السمان
سألتني إحدى طالبات الجماعة الدينية بالمدرسة السنية الثانوية عما يشاهد في التليفزيون، وعما يذاع في الإذاعة بمناسبة الاحتفال بذكرى مولد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ولا سيما الحلقات التليفزيونية المسلسلة المأخوذة من كتاب الدكتور طه حسين “على هامش السيرة”.
وقلت: يجب أن نفهم أولاً ونؤمن بما نفهم ثانيًا، أن فكرة الاحتفالات بذكرى مولد الرسول، فكرة ابتداعية لا صلة لها بالإسلام من قريب أو بعيد، لم يعرفها أصحاب رسول الله، ولا التابعون، ولا الأجيال بعدهم على مسار زهاء خمسة قرون، وهذا ثابت تاريخيًا لا يختلف عليه اثنان، وعلى من يدعي شرعية هذه الاحتفالات البدعية، أن يسلم بأن من ابتدعوا هذه الفكرة كانوا أعرف بالإسلام، وأفقه فيه من أصحاب الرسول والتابعين وفقهاء المسلمين الأول، ومعاذ اللَّه أن يسلم بهذا مسلم واحد.
وانبرت طالبة- ولم ينته كلامي بعد- تقول:
“لكن الدولة تحتفل بالمولد النبوي رسميًا في كل عام، والسيد رئيس الجمهورية ينيب عنه المحافظين في حضور الاحتفالات، بالإضافة إلى أن الأزهر نفسه يقيم حفلاً يخطب فيه شيخ الأزهر، وأن وزارة الأوقاف هي الأخرى تقيم حفلاً يرأسه ويخطب فيه وزير الأوقاف وهو عالم من علماء الأزهر، وتصدر الأوامر إلى سائر مساجدها للاحتفال”.
وقلت: إن الرد على كلام الطالبة يتضمن جانبين، الأول خاص بإقرار الدولة رسميًا بهذه الاحتفالات، والآخر، ما يقيمه الأزهر وتقيمه وزارة الأوقاف من حفلات، وبالنسبة للدولة، فهي تقر الميسر والخمر والربا وتنفق الأموال الطائلة على إقامة التماثيل، هل معنى هذا أن نقر نحن بكل ما تقره الدولة؟
أما بالنسبة للأزهر والأوقاف، فليس سلوكهما مصدرًا من مصادر التشريع، ونحن لا نتلقى ديننا عن سلوك المشايخ ولو كان من بينهم شيخ الأزهر ووزير الأوقاف الذي هو أحد علماء الأزهر… ومثلاً في مدينة البعوث الإسلامية التابعة للأزهر، يقام تمثال لجمال عبد الناصر، وفي حفل رفع الستار عن التمثال حضر المشايخ، واستمعوا إلى كلمة الدكتور نائب رئيس الوزراء لشئون الأوقاف والأزهر، فهل علينا أن نعترف بإقامة التماثيل لأن الأزهر أقر ذلك؟
وبقي أن نرد عن الشطر الآخر من السؤال الأول، فنحن نتلقى ديننا عن المصدرين الأساسيين: كتاب الله وسنة رسوله- صلوات الله وسلامه عليه، ولا نتلقاه عما يعرض في التليفزيون أو يذاع في الإذاعة، أو ما يكتب في الصحف، فكل هذه الوسائل يجب أن تسقط من حسابنا، فمنذ أن ظهر شيخ الأزهر السابق- الذي رحل أخيرًا- عن الدنيا وحسابه على الله- حول هذه الوسائل إلى أدوات تابعة للدجل والشعوذة، وما إن وقفت صفحة الأهرام الدينية إلى جانب العقيدة الصحيحة، حتى استعدى شيخ الأزهر ومشيخة الطرق الصوفية المسئولين على محرر الصفحة الأستاذ فهمي هويدي، وأقصى نهائيًا عن جريدة الأهرام.
أما عن حلقات “على هامش السيرة” للدكتور طه حسين، فالذي عرض شيء وما في الكتاب شيء آخر، ولو قدر أن ما عرض من خرافات وأساطير في الحلقات كان مدونًا في أصل الكتاب، فلا نفهم إلا أن الدكتور طه حسين كان يهدف إلى السخرية بتاريخ الإسلام وعقول المسلمين.
وسألت طالبة ثالثة: هل علينا إذن أن نكذب كتب السيرة التي نأخذ عنها تاريخ السيرة النبوية؟
وقلت: إن الذين كتبوا السيرة بشر يخطئون ويصيبون، وليسوا معصومين على الإطلاق، وإن الفقهاء وعلماء الحديث حين دونوا الفقه والحديث لم يقيموا وزنًا لكتب السيرة، وأستطيع أن أؤكد أن ما دون في كتب السيرة عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- قبل البعثة- ولا سيما ظروف حمل أمه به، ومولده، لم يصح منه شيء على الإطلاق إلا بعض تواريخ الأحداث.
وهذا ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة يقف من الأساطير موقف المتشكك والمشكك فيها، فنراه مثلاً يقول: “ويزعمون- فيما يتحدث الناس والله أعلم- أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم كانت تحدث، أنها أتيت حين حملت برسول الله، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر حاسد، ثم سميه محمدًا، ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام.
إذن فكتب السيرة التي سجلت الخرافات والأساطير المضحكة، ليس لها أدنى قداسة لدى العقلاء، ووسائل الإعلام لا يكتب لها إلا من واقع هذه الكتب، التي تزعم أن عبد اللَّه أبا الرسول- قبل أن يقرب آمنة وتحمل به- قام وتوضأ… هكذا في سيرة ابن هشام.
أما الصحافة- وعلى الأخص الصفحة الدينية في الأخبار- فمثلاً التاريخ الصحيح يذكر أن أول من ابتدعوا فكرة المولد النبوي هم الفاطميون في القرن الرابع من الهجرة، ثم أبطلها في مصر أمير الجيوش، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله سنة 524هـ بعد أن كاد الناس ينسونها، وسائر كتب التاريخ تقر ابتداعها في عصر الفاطميين، لكن محررًا بالأخبار كتب في جريدة الجمعة يقول: “وك


