عمار بن ياسر
بقلم مصطفى برهام
أي شرف وأي مجد وأي غاية يتطلع إليها أي إنسان تفوق ما وصل إليه آل ياسر إنهم هناك على رمال رمضاء مكة الملتهبة عمار وأبوه ياسر وأمه سمية وزبانية الكفر يصبون عليهم جحيما من العذاب ويمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول [صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة]
إن الرسول لم يواسهم بهذه الكلمات ليخفف عنهم آلام العذاب وإنما أعطى وعدا وقرر حقيقة
لقد خرج ياسر بن عامر من قريته في اليمن متجها إلى مكة بحثا عن أخيه الذي سافر وانقطعت أخباره عن أهله وفي مكة طاب له المقام وحالفه سيد من سادات بني مخزوم وهو أبوحذيفة بن المغيرة وزوجه (زوجه تقرأ بتشديد الواو بمعنى قام بتزويجه) أمته سمية وكان عمار ثمرة هذا الزواج المبارك
ويبعث النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق وسرعان ما يشرق الإيمان في قلوب أفراد الأسرة المباركة فيعلنون إيمانهم بالله ورسوله وكان إيمانهم بداية عمليات تعذيب مستمرة تولى كبرها بنو مخزوم وعلى رأسهم أبوجهل وصمد المعذبون وجاء نهار ليسيل فيه على رمال مكة دم أول شهيدة في الإسلام سمية أم عمار إثر طعنة من حربة أبي جهل ولا تمضي ساعات قليلة حتي يلحق بها زوجها ياسر هكذا وفي لحظات وأمام عيني عمار تستشهد أمه ويستشهد أبوه وهو مقيد بالأغلال والسلاسل لا يملك تحت وطأة التعذيب حتي مجرد البكاء عليهما
ولم تثقل هذه الجريمة ضمائر الجلادين الذين أخذتهم العزة بالإثم وإنما أمعنوا في تعذيب عمار لقد كانوا يحرقونه بالنار فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به ثم يمرر يده علي رأسه ويقول (يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنتي بردا وسلاما علي إبراهيم)
لم يؤثر هذا التعذيب الوحشي علي روح عمار لقد كان جسده يضج بالألم ولكن روحه لم تقهر
ولعل ذلك كان مبعث الصمود والصبر حتى جاءت لحظة جاوز فيها الظالمون كل الحدود فمن كي بالنار إلى إلقاء على الرمضاء المتسعرة تحت الحجارة الملتهبة إلى غط في الماء حتى تختنق منه الأنفاس وتنسلخ القروح والجروح ويفقد عمار وعيه تحت وطأة هذا العذاب الذي لا قبل لأحد به ويلقنونه كلمات يقولها من ورائهم يذكر فيها آلهتهم بخير وما أن يفيق ويذكر ما قال حتى يحس أنه ارتكب خطيئة لا تغتفر لقد تجسمت أمامه الكلمات التي قالها وكأنها نار تستعر في داخله لقد هزموا روحه كما هزموا جسده وإذن لقد خسر كل شيء
ويلقاه الرسول الكريم ويرى عينيه وقد تقرحتا من البكاء فيمسح دموعه ويقول أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا ويجيب عمار نعم يا رسول الله ويقول الرسول إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا ثم تلا عليه الآية الكريمة التي نزلت في ذلك (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)[النحل 106]
وتعاوده السكينة وتغمره الطمأنينة لقد نجت روحه ولم تقهر فليفعلوا بجسده كل ما يقدرون عليه
وجاءت الهجرة وكان عمار سباقا إليها وفي المجتمع الإسلامي الجديد حصل عمار على المنزلة التي يستحقها بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان الرسول يحبه محبة عظيمة بل إنه كان يباهي أصحابه بإيمانه وصموده ويقول عنه إن عمارا ملىء إيمانا إلى عظامه وعندما يقع خلاف بسيط بين عمار وبين خالد بن الوليد يقول النبي صلى الله عليه وسلم من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله
ويشارك عمار في بناء المسجد مع الرسول والصحابة وهم يرتجزون [لا يستوي من يعمر المساجد يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا] كان عمار يعمل في ناحية من المسجد وهو يردد كما يرددون وظن واحد ممن يجاورونه في العمل أنه يعرض به فأغلظ له في القول وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ما لهم ولعمار يدعوهم إلى
الجنة ويدعونه إلى النار إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب عمارا حبا عظيما وما كان الرسول ليمنح هذا الحب العظيم إلا لمن بلغ إيمانه ووفاؤه وبلاؤه مبلغا من الكمال يستحق به هذا الشرف الرفيع من أجل هذا كان النبي يقول اقتدوا بالذين من بعدي أبوبكر وعمر واهتدوا بهدي عمار بن ياسر
أي مكانة شامخة سامقة وصل إليها عمار وأي شرف وتكريم يمكن أن يتسامى إليهما أي متطلع إلى شرف أوتكريم بعد هذا الشرف وبعد هذا التكريم
لقد شهد عمار بن ياسر جميع المشاهد وكان في كل منها جميعا حيث ينبغي أن يكون سباقا إلى طلب الشهادة مدافعا عن دين الله وعن رسوله أعظم دفاع وينتقل الرسول إلى جوار ربه وعمار بن ياسر جندي من جنود الله يقمع فتنة الردة ويدحر بغي فارس وسطوة الروم
ويوليه عمر بن الخطاب الكوفة ويبعث معه عبد الله بن مسعود على بيت مالها ويكتب إلى أهلها
[إني بعثت عليكم عمار بن ياسر أميرا وابن مسعود معلما ووزيرا وإنهما لمن النجباء ومن أصحاب محمد ومن أهل بدر ويسير عمار في ولايته بالأمانة والعدل سيرا شق على الطامعين أن يتحملوه ويتبرمون به ولا يزيده ذ


