على هامش الهجرة
بقلم علي عيد
لقد أصبحت المناسبات والذكريات التي اعتاد المسلمون الاحتفال بها تمس وجداني بالأسى والأسف بدلا من أن تغمرني بما يجب أن يشعر به كل مسلم من البهجة والسرور فضلا عن معاقد العزم والتصميم على إحياء الأمجاد وبعث الموات وهو الأولى والأجدر بالمسلمين كافة في عصورنا الحاضرة غير أنهم للأسف يتخذون هذه الذكريات نهمة للبطن وبعثا للشهوات وملعبا للشيطان
والحق أن مبعث ذلك الشعور المقزز الذي يملؤني كلما جاءت ذكرى أوهلت مناسبة هو ما تحاط به هذه الذكريات من مفاهيم سقيمة وانطباعات خاوية لا مدلول لها من إيمان أونور عقائدي ينتسب إلى دين الله الحق أويستمد منه بل أن ما يفهمه المسلمون من الذكريات المنسوبة إلى الإسلام وما تبديه انطباعاتهم ووجداناتهم فضلا عن مظاهر الطعام والشراب واللهو والإسراف هو مجموعة أقاويل وظلال حاكتها عناكب الخرافة في آفاق المسلمين بخبث ودهاء والمحزن أن تجد هذه الخرافات طريقا إلى كتب المسلمين فينشأ عليها الصغير ويهرم عنها الكبير وهي على ما هي عليه من الوهم والتهافت لا سيما ما لصقه الرواة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مما يمس عقيدة الإسلام في النبي ولا حول ولا قوة إلا بالله
ومما أعجب له أشد العجب أن يتعرض بعض العلماء العصريين من أمثال الشيخ الشعراوي لبعض المرويات واهية السند والأحاديث الضعيفة والموضوعة فلا يتحقق من صحة الوقائع أوضعفها أوصحة الرواية وضعفها إنما يذهب فيها مذاهب التكلف والتأويل البعيد حتى تبدومقبولة لدى العقل ودائما يحمل ذلك التأويل تناقضا بينا
وقديما أنشأ مصطفى صادق الرافعي كتابا كاملا على حديث لا يثبت سنده وسماه كتاب المساكين على حديث يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول [اللهم احيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين] قال الإمام ابن تيمية هذا الحديث لا يثبت وبين الرجلين صلة ونسب فيما يكتبان والذي يطلع على إعجاز القرآن وتحت راية القرآن ووحي القلم للرافعي ومؤلفات الشيخ الشعراوي لا يحتاج إلى كبير جهد حتى يجد الصلة البينة بين الرجلين ورحم الله الرافعي ونفعنا بأدبه وبلاغته فانما كانوا يجتهدون في تسويغ ما لديهم من آثار تسويغا عقليا أدبيا ولوعلموا أن هذه الآثار لا تثبت ما كلفوا أنفسهم مشقة التأويل والتكلف وفرق كبير بين أن يقول هذه التأويلات مصطفى صادق الرافعي وطه حسين مثلا وبين أن ينقلها إلينا الشيخ الشعراوي إذ الآخر عالم دين رسمي يجب عليه أن يحتاط لنفسه ويتثبت في دروسه من صحة الروايات التي يرويها على الناس وليس ذلك مجال تفنيد ما ورد بأحاديثه من نقول هي موضع نظر
والحمد لله أن حفظ للمسلمين ما يتعلق بعقائدهم سواء في الله عز وجل أوفي رسله أوكتبه أوالملائكة أواليوم الآخر بعيدا عن سطوة الواضاعين والمحرفين الكلم عن مواضعه بحيث إذا اعتصم المسلم بما ورد في العقائد من صريح القرآن وصحيح السنة كفاه عن التهويل والخرافة والأباطيل
ولكن بعض العلماء لا يكفيهم دائما الصحيح الثابت ولا يكفيهم أن يعتنقوا هم وحدهم الخرافة بل يحبونها حبا جما حتى تمتلك عليهم مشاعرهم فكأنها لازمة من لوازمهم وضميمة في كياناتهم فينشرونها في كل مكان وهم بذلك يلبسون على الناس دينهم الحق ويخلطون بين الحق والباطل ويبتعدون بالناس عن ميزان الإسلام الحق في نقد العلوم وتفصيل المنقول
وفي هذه الذكريات التي نحن بصددها نجد أمثال هذه الخرافات تملأ أذهان الناس وتطلق في مجالس العلماء في كل مكان ترضي غرور السذج من عشاق الأشعار والمواويل والأهازيج التي تروي سير أبي زيد الهلالي أوالزير سالم أوعنترة وغيرهم حتى أنه لم يحظ علم من علوم الإسلام بمثل ما حظيت به سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من خرافة وأهاويل
وأغاليط وسبحان الله العلي القدير لقد طال الليل وجثم بكلكله على المسلمين وفرخ الشيطان وباض في أفئدة رءوسهم وكبرائهم فعموا وصموا عن هدى الله وما زلنا ننتظر من يجدد بهم الله دينه ممن يجمعون إلى تحقيق العلم جرأة الحق وعزة الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله
ففي ذكرى الهجرة المحمدية نجد أخبارا وروايات تناقلها المسلمون كابرا عن كابر واغتبط بها الناس جميعا ومصمصوا لها شفاهم من شدة التأثر وبدلا من اتجاه الناس إلى مغزى الهجرة في الإسلام واستنباط الأحكام الفقهية من حادث الهجرة بحيث تنتفع به الجماعة الإسلامية إذا واجهت ملابساتها وظروفها ولماذا كانت وكيف تبني المجتمعات والفرق بين المستضعف والمتمكن وغير ذلك من الأحكام .. نجد المسلمين يتخذون ذكرى الهجرة مناسبة تعطل فيها المصالح ويكون فيها أكل وشرب وتمر مر الكرام مكتفين بما يرد على مخيلاتهم من صورة الحمامتين والعنكبوت وخيوط العنكبوت تخيم على بصائرهم فلا يرون نور هذه الرسالة أوهدى الله عز وجل في تحقيق مراده وعون عباده
فقبل رواية الغار هناك ما يتناقله الرواة من أن النبي صلى الله عليه وسلم


