الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

علماؤنا .. بين تسخير الدنيا لهم وتسخيرهم دين الله لدنيا الناس

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

علماؤنا.. بين تسخير الدنيا لهم
وتسخيرهم هم دين الله لدنيا الناس
بقلم الأستاذ/ محمد عبد الله السمان

ما أشق على النفس أن تتعرض لإجراء مقارنة بين علماء الدين الأجلاء من السلف رحمهم الله رحمة واسعة، وعلماء الدين الأذلاء من الخلف، ويعلم الله وحده أن القلم أحياناً يستعصى على الكتابة، ليسجل هذه المقارنة بين علماء السلف وعلماء الخلف، رحمة بالأعصاب، التى لم تعد تحتمل أكثر مما احتملت وما تحتمل.
والواقع أن الفرق بين هؤلاء وأولئك لا يخضع للقياس المادى، لبعد المسافة بينهما، وحتى مع اجهاد الذهن وإرهاق الفكر، كيف يتسنى لنا أن نقارن بين علماء تربعوا فوق قمة المجد، إيماناً بالله، وإعتزازاً به، وثقة فيه، واعتمادا عليه، سخروا الحياة كلها لدين الله، ولم تهن عليهم أنفسهم حتى لو تعرضت للهلاك، لم يقفوا عند حدود إعلان كلمة الله، ورفع راية الحق، والدفاع عنه، بل واجهوا الباطل وتصدوا له، وكانوا على استعداد دائم لأن يضحوا بأعز ما يمتلكون من أجل إحقاق الحق ودحض الباطل، وعلماء اليوم الذين يسترخون في حضيض المذلة، يستمرئون الهوان وهم ليسوا- فحسب- على استعداد دائم لأن يسخروا دين الله لدنيا الناس، بل أيضاً على استعداد دائم لأن يبيعوا دينهم بعرض زائل من الدنيا أو يتنازلوا عنه أحياناً بلا مقابل.
لقد ضرب الإمام مالك رحمه الله سبعين سوطاً بسبب فتوى أفتى بها لم توافق هوى السلطان، ولم يتنازل الإمام عن فتواه، وكذلك ضرب الإمام أبو حنيفة وسجن وقيل: أنه توفى في سجنه متأثراً بجراحه، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل أشهر من أن تذكر، وتعرض للأذى والسجن والاضطهاد أمثال ابن تيمية والعز بن عبد السلام، من أجل التمسك بآرائهم، والحفاظ على مبادئهم، لم تثنهم رغبة ولا رهبة، لأنهم وضعوا الدنيا تحت أقدامهم، وداسوا المنصب والجاه بنعالهم، كان الله سبحانه أكبر شئ لديهم، لذلك هانت في نظرهم دنيا الناس بما فيها ومن فيها.
حسبنا في هذا المقال أن نعرض لنموذج واحد من علماء السلف، أنه عمرو بن عبيد، الذى توفي سنة 114 هـ، قال عنه الحسن البصرى رحمهما الله ” كأن الملائكة أدبته.. وكأن الأنبياء ربته.. إن أمر بشيء كان ألزم الناس به، وإن نهى عن شئ كان أترك الناس له.. مارأيت ظاهراً أشبه بباطن منه، ولا باطناً أشبه بظاهر منه “.
عمرو بن عبيد هذا كان من خيرة علماء السلف وكان زاهداً في الحياة الدنيا ومتاعها، ولم يكن إنعزالياً متخلفاً عن حياة الناس أو منعزلاً عن المجتمع الذى يعيش فيه، لم يكن متصوفاً يجمع المريدين حوله بالمئات ليطيعوه طاعة عمياء، وليحوطوه بهالة من القداسة والتقديس، بل كان عالم دين يحمل رسالة، يدافع عن الحق ويجابه الباطل.. نصح أصحاب السلطة ووعظهم، وأقام بإيمانه وشجاعته كلمة الحق، دون أن يخشى في الله لومة لائم.
دعى- رحمه الله- ذات يوم- إلى مجلس الخليفة العباسى.. المنصور، وبعد أن وعظه وأمره ونهاه قال له:
” يا أمير المؤمنين: إن أمامك نيراناً تتأجج، لمن لا يعمل بكتاب الله، ولا بسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه “.
فقال له أحد الجلوس:
أسكت.. فقد غممت أمير المؤمنين..
فصاح في وجهه عمرو:
” ويلك.. أما كفاك أن خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن تحول بينه وبين من ينصحه؟.
ثم واصل عمرو بن عبيد كلامه موجها إياه إلى الخليفة:
” اتق الله يا أمير المؤمنين.. فإن هؤلاء لن ينفعوك أبداً.. وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح يا أمير المؤمنين دنياهم بفساد آخرتك.. أما والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل ما بقى على بابك أحد، ولتقرب إليك بالعدل من لا تريده.
أما علماء اليوم.. علماء الدنيا.. أو علماء السوء أسماهم بذلك الغزالى- رحمه الله-، فقد باعوا دينهم بدنيا الناس، وليتهم يقفون عند هذا الحد، وكفى به شراً، ولكنهم أحياناً يريدون أن يبيعوا دين الأمة بدنيا السلطان، ليتهم يقفون عند حدود خذلان الحق ومشايعة الباطل، وكفى بذلك خسة وجبناً، بل أحياناً يعمدون إلى تحويل الحق إلى باطل، والباطل إلى حق يضغطون على كتاب الله بكل ما أوتوا من قوة، وعلى أحاديث رسول الله صلوات الله عليه- حتى يسخروها لخدمة جاه من يملكون الجاه..
حين ازدهرت الاشتراكية منذ سنوات، قال أستاذ في كلية الشريعة، في برنامج تليفزيونى: إن الإسلام لم يجئ إلا ليمهد للاشتراكية..
وقد شاء قدرنا أن يكون هذا الشيخ واعظاً لنا- ونحن خلف الأسوار عزل من كل حول وقوة إلا إيماننا بالله وثقتنا فيه سبحانه- وكان مما قاله لنا:
” إن سبعة وتسعين في المائة من أحكام الشريعة مطبق في مصر، ولا داعى لأن نعادى الدولة من أجل ثلاثة في المائة.. ”
وابتسمنا من داخلنا، لأنه لم يكن في استطاعتنا أن نبدى ابتساماتنا على شفاهنا، وإلا لفحتنا السياط من كل جانب.
والحقيقة أننا لم نأسف لهذا الشيخ الذى كان يردد في كلماته: قال رائدنا الأول، ومعلمنا الأول، وهاد

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا