علامات ضوئية على طريق الدعاة
بقلم الدكتور محمد جميل غازي
الآية التاسعة
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} سورة النحل الآية 125.
نزولها:
نزلت هذه الآية بمكة في فترة الأمر بمهادنة قريش، وفيها أمر من اللَّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدعو إلى دين اللَّه تعالى وشرعه بتطلف ولين، دون قسوة أو تعنيف !
ولقد كان الحسن إذا تلا هذه الآية، يقول: هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، هذا حبيب اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا واللَّه أحب أهل الأرض إلى اللَّه، أجاب اللَّه في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه.
وفي هذه الآية الكريمة، أمر لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى اللَّه بأحد هذه الطرق الثلاثة، وهي: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
طرق الدعوة:
ولما ذكر اللَّه تعالى هذه الطرق الثلاث، عطف بعضها على بعض، فوجب أن تكون هذه الطرق متباينة.
فالحكمة، هي الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية.
قال اللَّه تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.
أو هي- على ما يذكره الراغب في مفرداته-: إصابة الحق بالعلم والعقل.
والموعظة: هي الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية.
أو هي: على ما يذكره الراغب في مفرداته-: زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل هي التذكير بالخير بما يرق له القلب.
والجدال: هو الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم.
أو هي- على ما يذكره الراغب في مفرداته-: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.
أقسام الجدل:
والجدل على قسمين:
الأول: أن يكون دليلاً مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند ذلك القائل. وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن.
الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة.
وقد قصرت الآية الدعوة على الحكمة والموعظة الحسنة، لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام، فلهذا السبب لم تقل الآية: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الحسن، بل قطعت الجدل عن باب الدعوة تنبيهًا على أنه ليس بابًا لتحصيل الدعوة، وإنما الغرض منه الدفاع عنها، ورد الشبه والنحل والمفتريات التي تثار حولها.
هذا الترتيب.. ما معناه؟
والحكمة والموعظة والجدال بالترتيب، هو ما اصطلحوا على تسميته في ” أدب البحث والمناظرة” بالبرهان والخطابة والجدل.
غير أنه سبحانه قيد الموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، ففيه دلالة على أن من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما هو أحسن، وما ليس بأحسن ولا حسن، واللَّه تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة، ومن الجدال بما هو أحسن.
والتفكير السليم يؤيد ذلك ويؤكده، ذلك لأن سبيله تعالى هو الاعتقاد الحق، والعمل الحق، ومن المعلوم أن الدعوة إليه بالموعظة مثلا ممن لا يتعظ بما يعظ به ليس موعظة حسنة.
وكذلك الدعوة إليه- مثلا- بالمجادلة عن طريق المغالطات ليس مجادلة بالتي هي أحسن.
والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة، ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها، ولم يجز من المجادلة إلا التي هي أحسن.
ثم إن في قوله تعالى: {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أخذًا بالترتيب من حيث الأفراد.
فالحكمة: مأذون فيها بجميع أفرادها.
والموعظة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة: والمأذون فيه منها هي الموعظة الحسنة.
والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة، ثم الحسنة إلى التي هي أحسن وغيرها. والمأذون فيه منها التي هي أحسن.
والآية الكريمة، قد سكتت عن توزيع هذه الطرق بحسب الذين ستوجه إليهم الدعوة، فالأساس في استعمال هذه الطرق هو حسن التأني، والوصول إلى الغاية، والحصول على المطلوب وهو ظهور الحق.
فمن الجائز أن يستعمل الداعية في حالة جميع الطرق الثلاث، وفي حالة أخرى طريقين، وفي حالة ثالثة طريقا واحدا، حسب المقام والحال، وظروف المقال.
* * *
الآية العاشرة
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} سورة فصلت: الآية 33.
المعنى: لا أحد حسن كلامًا وطريقة وحالة ممن دعا الناس إلى طاعة اللَّه وطاعة رسله، وذلك بتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم ونصح معرضهم، ومجادلة مبطلهم.
وقال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا


