الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 11-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 11-12-2025

صعاب على الطريق

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

نحو اقتصاد إسلامي:
صعاب على الطريق
بقلم الدكتور عيسى عبده

عرفنا من البحث السابق أن فريقًا من المحدثين قد أحصى أخطاء وقع فيها الاقتصاديون خلال القرن التاسع عشر.. وقالوا بأنه من أهمها – تغليب النزعة – الفردية وإهمال الجماعة.. والظن بأن المنافسة الطليقة ظاهرة تصح في الحياة العملية كما يتراءى للباحث في مراحل تصوره للنماذج والفروض التي يصرف إليها قدراته الذهنية.
والقول بأن السعي الحثيث من جانب كل فرد إلى أن يحقق أقصى الخير لذاته سيؤدي تلقائيًا إلى قدر مناسب من التوازن بفعل الفطرة التي تحكم سلوك البشر، وقال هؤلاء الكتاب أيضًا بأن هذه الأخطاء وأشباهها قد مهدت نفوس الملايين من الناس لقبول أي نداء يدعو إلى ما يعارض هذا كله.. فالنزعة الجماعية بوركت، فانتشرت ثم طغت.. وحرية الفرد نقدت ثم أبغضت وبورك التدخل حتى تطور إلى صور شتى من الرقابة، فالمشاركة فالحلول الكامل محل الفرد والجماعة والمنافسة أحيطت بالشكوك واستبعدت وأصبح التحكم أمرًا واقعًا له عديد من الصور وساعد على انتشار هذه الموجة العاتية من الفكر الجامح.. إن لم يكن في الأرض التي طغت عليها حصون واقعية أو ضوابط لا تلين، وإنما هو اجتهاد يعارضه اجتهاد، وأسماء تطفو وأخرى تغوص. فهذه تطورات وتلك تناقضات وثالثة يقال لها صراعات ومن حول مدارس الفكر والاجتهاد صنوف من الخلائق، منهم مؤيدون ومنهم معارضون وكل حزب بما لديهم فرحون.
تقدم الزمن (خلال القرن التاسع عشر) إذن والدراسات الاقتصادية تتراكم ويشيع فيها قدر من التردد والاضطراب فيما بين تفكير القرون الوسطى وبين نزعات الثورة الصناعية والثورة الفرنسية. ومن ذلك مثلاً أن عاد رجال السياسة والحكم وكذلك التجار رجال الأعمال إلى النظر من جديد في مشكلات النقود والتجارة الخارجية، عادوا بنشاط يفوق ما سجله التاريخ لأشباههم ونظرائهم حول القرن الخامس عشر، ومن ثم لم يتوافر للدراسات الاقتصادية قدر من الارتفاع. فوق الأهواء الشخصية والمصالح المتعارضة .. ولذلك تزايدت الصعاب على الطريق.. طريق الفكر والتدبر في الأمور الإنسانية.. على حين أن هذا الفكر بالذات (أعني القوة العاقلة المدبرة في الإنسان) – هذا الفكر كان ينتقل من نجاح إلى توفيق في الصناعات والفنون التطبيقية.. وهكذا اصطبغ القرن التاسع عشر (بوجه خاص) بصبغتين: إحداهما مزيد من القدرة على الإفادة بموارد الطبيعة وهباتها والأخرى مزيد شقاء الإنسان!!
ولربما يقال بأن اشتغال رجال الحكم ورجال الأعمال بشئون الاقتصاد أي بأمور تتصل بإنتاج الثروة وبعدالة التوزيع بين الأفراد وبين الشعوب. قد كان خيرًا للإنسانية إذ هؤلاء الساسة والتجار يجمعون بين التجارب ووفرة الاتصالات، ولهم من هذا كله معين على حسن التقدير. ولكن التاريخ حفظ لهم غير ذلك؛ لأن كل فرد منهم قد كان يعتز بخبراته الخاصة ويطيل له أن يقتنع بها ثم يبني عليها حكمًا عامًّا. وسنرى أمثلة عجيبة من مدارس الفكر الاقتصادي التي قعدت لهذا (العلم) كما يقولون.. أو لهذه الدارسات إذا أردنا دقة التعبير.
سنرى أمثلة من تعميم القواعد استنادًا إلى مشاهدات فجة أو دراسة سطحية لبيئة صغيرة أو أحداث عارضة في ظروف بعينها. أما الأهواء والمصالح الخاصة لفرد أو لشعب أو لجنس من البشر. فهذه أيضًا تركت بصمات واضحة على صفحات التاريخ الاقتصادي للعلم وللأحداث جميعًا.
ومن الأمثلة على ما نقول به هذا النص الذي نورده حرفيًّا عن (ألفريد مارشال) وهو بصدد الكلام عن ريكاردو قال مارشال: إن نظرية النقود – باعتبارها جزءًا من النظرية الاقتصادية بوجه عام – هي وحدها التي تضار كثيرًا حين نبحث على ضوء الدافع الشخصي لحب المال دون التفات يذكر الدوافع الأخرى. وأن المدرسة المنهجية التي أقامها ركياردو تكون في مأمن من العثرات في هذا المجال بالذات.
ثم يقول مارشال إن ريكاردو مذكور في بعض المراجع على أنه نموذج صادق للرجل الإنجليزي.. وعندنا (عند مارشال) أن ريكاردو قد يكون أي شيء أو أي رجل إلا هذا الذي قيل عنه. ثم يستطرد مارشال مقررًا ما يلي:
إن لإيكاردو عبقرية فذة ونادرة بين الأمم لا تجد أصولها في كونه من الإنجليز. بل في كونه من الشعب اليهودي، وأن قدرته على التجريد وبناء الفروض معزولة عن واقع الحياة. هي قدرة عجيبة لا يدانيها إلا نظائرها في فروع أخرى من الدراسات التجريدية التي أتقنها فريق من اليهود. ومن مزايا ريكاردو أنه لا يخطئ حساب المراحل التي تمر بها دراسته حتى يصل إلى نتائج لا يجد الباحث مطعنًا عليها في ظاهر الأمر.
ثم يقول مارشال : ولكن الاقتصادي الإنجليزي لا يستطيع أن يسير في أثر ريكاردو حتى يصل باقتناع إلى ما انتهى إليه هو، وكذلك قال عنه ناقدون من المدارس الاقتصادية الأخرى، وزادوا الأمر إيضاحًا حين قرروا وأيدهم مارشال بأن ريكاردو هذا يعمد إلى الغموض حيث يتعذر على من يدرس أقواله أن يكشف عن أهدافه، ذلك أنه لا يريد

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا