صعاب على الطريق
بقلم الأستاذ الدكتور عيسى عبده
ثم عكف الاقتصاديون أيضًا خلال الحقبة ذاتها (القرن التاسع عشر) على معالجة النقص الذي تبدى مع الزمن. في آراء آدم سميث بشأن التجارة الخارجية… وأعادوا النظر في الأسس الصحيحة لهذا النشاط العالمي الخطير… وتأثروا بالمنهج الاستقرائي الذي يبدأ بالمشاهدة العلمية ، وجمع الحقائق . وهنا واجهت الدراسات الاقتصادية صعابا من طبائع الأشياء لقد اختلف بعض الحقائق عن بعض باختلاف البلاد … فهذا بلد زراعي ، وذلك صناعي ، هذا متقدم والآخر متخلف …ولكل من هذه المكونات الخاصة لاقتصاديات الإقليم أثر على تجارته الخارجية ، ولذلك لم يكن من الميسور الوصول إلى قواعد عامة .. ومن نظرية واحدة لهذا الفرع الخطير من فروع النشاط الاقتصادي العالمي .
لقد تراخت بعض البلاد المعروفة بدراستها الاقتصادية المستمرة خلال مائتي عام مضت (كانجلترا) تراخى هذا البعض في تركيز الاهتمام على كل ما له صلة بالاقتصاد المتخلف وهذا أمر يعيب البحث العلمي الخالص .. إن كان يهدف حقا إلى خدمة الإنسانية برفع الكفاية وتقليل الضحية وزيادة الرفاهية للناس كافة .. أو لأكثرهم على أقل تقدير.
يقول بعض الثقات إن دراسة التجارة الخارجية بقدر كافٍ من الإحاطة .. يخرج إلى ميادين لا شأن للاقتصاد بها .. ولذلك تخلف بعض العلماء عن التوسع في وضع نظريات عادلة للتجارة الخارجية تشمل بلادا تنتج الخامات وتفيض عن حاجتها ولم تتوافر لها مقومات التصنيع . وتشمل بلادا لم يرزق أهلها دراية كافية في التطبيقات الفنية ، وأخرى لم ترزق من المراكز المميزة ما يجعل لها الصدارة في البحر أو عبر اليابسة .. وهكذا تفاوتت معدلات التبادل وزادت البلاد الغنية ، كما زادت البلاد الفقيرة حرمانًا حتى أهدرت الحاجة آدميتها .. وكل ذلك لأن طريق الدراسات الاقتصادية لا تخلو من الصعاب ، والحق أنه ما من صعوبة لا تذلل .. إلا واحدة .. هي اقتناع الفرد بأن قدراته وهباته جميعًا أمانة يسأل عنها .. وهي إنما وهبت له ليجعلها في خدمة الإنسانية .. لا لتكون أداة بطش ، أو أداة استغلال.
ومن الكتاب الذين جاءوا بعد آدم سميث وكان لهم أثر عميق في سير الدراسات الاقتصادية (بنثام) كان مقلا فيما كتب ولكن منهجه في البحث والظروف التي عاش فيها بإنجلترا كان لهما أثر في تكوين آرائه التي اعتنقها كثيرون ممن جاءوا بعد آدم سميث ، ومن أجل ذلك كان بنثام جديرا بكلمة تربط جهوده بجملة الأدوار التي مر بها بناء الاقتصاد كما نعرفه اليوم ، وبيان ذلك :
كان هذا الاقتصاد الإنجليزي من المناطقة ، وكان عفيفًا قاسيًا في الربط بين القيود وأسبابها ، فما لم تكن هناك عوامل قوية تبرر نشاط الفرد ، أو توجيهه ، أو حتى إصدار التعليمات إليه ممن يملك ذلك فإن بنثام كان عنيفا في تصديه لكل تدخل في سلوك الأفراد ، وساعده على التمسك بما ذهب إليه وانتشاره في الأوساط العلمية ودوائر الأعمال في إنجلترا لعهده – ونجحت في الإفادة من التطور السريع الذي مر به النشاط الاقتصادي العالمي ، على حين أن أقطار أوروبا تخلفت عن الركب ، وكان السبب الرئيسي هو تحرير السلوك الفردي في هذا الخصوص – عند بنثام ومدرسته – من التقاليد والعادات وشتى القيود . مع تشجيع التصرف الفردي على أساسين : أحدهما الاعتراف بالمنافسة بغير شرط . والآخر التسليم بأن كل إنسان يبذل قصارى الجهد في تحقيق أكثر الخير لنفسه ولمن يتصل به .
ويقول المؤرخون المنصفون من الإنجليز : بأن هذه النـزعة التي قواها (بنثام) وهي النـزعة الفردية مع المبالغة في تقدير وزن المنافسة الطليقة (إن صح لها وجود بغير قيد) ويقول المؤرخون بأن هذه النزعة تدخل في جملة الأخطاء التي وقع فيها الاقتصاديون الإنجليز خلال القرن التاسع عشر ، ومن آثارها أنهم أغفلوا النـزعة الجماعية التي انتشرت خارج إنجلترا ثم تطورت وتفجرت في كتابات الاشتراكيين ومن تابعهم ، ويعزو البعض من الكتاب ما كان من أمر الاقتصاديين الإنجليز خلال القرن التاسع عشر ، ومتابعتهم لبنثام (فيمن تابعوا) إلا أن الدراسات الاقتصادية عندئذ كانت أقرب إلى دوائر الأعمال منها إلى دوائر البحث العلمي الخالص ، بمعنى أن كثيرا من الدارسين كانوا على صلات وثيقة بالمصالح الآخذة بالازدهار ، وكان اندفاع الفرد ومقامرته من العوامل الحاسمة في تحقيق الثراء لنفسه ، وباجتماع الثروات الطائلة للكثيرين يكون ثراء المجتمع … أما أن تكون الرفاهية موزعة على الجميع ، بحيث تصل في جملتها إلى أكبر عدد أو إلى أعلى مستوى ، فلم يدخل شيء من ذلك في حساب رجال الأعمال المهتمين بتشجيع الدراسات الاقتصادية وتأييدها فيما تتجه إليه من رأي يتفق وأحداث العصر.
ويقول آخرون أيضًا بأن (بنثام) ومن تابعه بالغوا في اعتناق النـزعة الفردية كما بالغوا في البعد عن النـزعة الجماعية لأسباب أملتها الفطرة … فهم كانوا يطلبون الأمن على الحياة والولد


