شخصية العالم
كما تقدمها الرسالة القبرصية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
بقلم الدكتور: إبراهيم إبراهيم هلال
هذه الرسالة من الإمام ابن تيمية إلى ( سرجوان ) ملك قبرص في ذلك الحين- دلالة على قيام عالم الدين في تلك العصور الإسلامية المتقدمة بالمهام السياسية إلى جانب المهام الدينية والفكرية، لأن عالم الدين آنذاك كان هو عالم القانون ورجل السياسة، وذلك لأننا قبل ابتلائنا بحكم الاستعمار لنا في مطلع العصر الحديث- لم يكن عندنا فرق بين عالم الدين ورجل القانون، لأن القانون، كان هو الدين، وكان الدين عندنا كما أنزله اللَّه إيمانًا وعبادة وأخلاقًا، وقانونًا وسياسة، وقانون حرب وقانون سلم.
ودارس الدين عندنا أو عالم الدين كان يتقن ذلك عن أي مثقف آخر غلب عليه أحد الجوانب العلمية أو الفكرية الأخرى، بل لم تكن هناك ثقافة لرجال السياسة والحكم والحرب والاقتصاد إلا الدين بما وسع بين جوانبه من هذه الأمور، كما قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} الأنعام- 38.
وقد أدركنا في هذا العصر من نماذج علماء الدين الذين تصدوا للسياسة والحكم في قوة وإبداع، الإمام جمال الدين الأفغاني والإمام الكواكبي، والإمام محمد عبده، ولهم جولاتهم وصولاتهم في هذا المجال.
ونقدم من هذه النماذج الإسلامية لعلماء الدين الذين تصدوا للسياسة والحرب، وخاصة السياسة الخارجية، الإمام أحمد عبد الحليم ابن تيمية في رسالته هذه المشهورة باسم: ( الرسالة القبرصية ) والتي كتبها لملك قبرص في زمنه.
وهذه الرسالة إحدى الدلائل على أن الإسلام قد وسع كل شيء في الحياة من دين وحرب وسياسة واقتصاد الخ، وأنه أتى بالقول الفصل، والأسس الأصلية في السياسة الدولية والعلاقات بين الملوك والحكام والسياسة الداخلية، والعلاقات الخاصة، وكيف أن عالم الدين كان يمارس هذه الجوانب كرجل أصيل في ذلك ودارس متخصص، وذلك لما اشتملت عليه من حديث وحوار مع الملك في السياسة والحرب والسلم.
كما أن هذه الرسالة من وجهة أخرى دعوة إلى الإسلام من عالم من علماء الدين إلى أحد الملوك في ذلك العصر. فهي بذلك ليست مجرد رسالة إلى ملك من الملوك، وإنما هي دعوة إلى الإسلام موجهة إلى ملك خصم في ذلك الحين، وبينه وبين المسلمين علاقات حرب وسلم..
والرسالة تسير على نمط كتب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك التي أرسل يدعوهم فيها إلى الإسلام. فهي بهذا تعليم لعلماء الدين المعاصرين، وتنبيه لهم على أنه يجب عليهم مواصلة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفه الصالح في الدعوة إلى الإسلام- دعوة الملوك والشعوب، أو دعوة الملوك إلى جانب دعوة الشعوب، وليس الاقتصار على الدعوة العامة أو دعوة الأفراد العاديين، لأن هذه هي رسالة الإسلام بدءًا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة.
ويبدأ ابن تيمية هذه الرسالة على النحو التالي:
من: أحمد بن تيمية.
إلى: ( سرجوان ) عظيم أهل ملته ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين والرهبان والأمراء والكتاب وأتباعهم.
سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد…
فإنا نحمد إليكم اللَّه الذي لا إله إلا هو، إله إبراهيم وآل عمران، ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين وأنبيائه المرسلين، ونسأله أن يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين.. الذي بشر به عبد اللَّه وروحه وكلمته التي ألقاها إلى الصديقة الطاهرة البتول مريم ابنة عمران- ذلك مسيح الهدى عيسى بن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة.
أما بعد:
فإن اللَّه خلق الخلائق بقدرته وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته، وجعل المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم به هو عبادته وأصل ذلك هو معرفته ومحبته. ( ص 21- 24 ).
ثم يشرح للملك الطريق إلى ذلك، فيبدأ بموقف البشرية من توحيد اللَّه من لدن آدم إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وجهاد الرسل ودعواتهم أثناء ذلك. فيقول: وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام، وقبل نوح صلى الله عليه وسلم، على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر عليه السلام، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء نفوسهم لم ينزل اللَّه بها كتابًا، ولا أرسل بها رسولاً، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة.
فابتعث اللَّه نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين حينما كان النماردة والفراعنة ملوك الأرض شرقًا وغربا، فبعث اللَّه تعالى إمام الحنفاء إبراهيم خليل الرحمن، فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.
وجعل اللَّه الأنبياء والمرسلين بعد ذلك من أهل بيته، وجعل لكل منهم خصائص، وآتى كلاً منهم من الآيات ما آمن على مثله البشر، فجعل لموسى العصا حية، وفلق له البحر. وبعث بعده أ


