الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

شجاعة المسلم وصبره

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

شجاعة المسلم وصبره..
بقلم: محمد علي عبدالرحيم
بالرئاسة العامة لتعليم البنات بالرياض

في الإسلام من الأوامر والنواهي ، ما يقهر النفس، ويكبح جماحها، ويقمع الشهوات التي تتمكن منها، وتتسلط عليها.
كما أن به من العبادات، ما فيه مشقة، وتعريض النفس لبذل ما تملك، لتكون فداء لدينها أو لوطن من أوطان المسلمين.
ولم يكلف الله المسلمين بذلك، إلا ليقوموا مقام العبودية، ويتفهموا حق الربوبية، هذا إضافة إلى أن فيها مزايا كثيرة روحية وخلقية وصحية، أفاض الناس فيها كثير، ولا يزال الكتاب يبحثون فيها ويزيدون.
والحياة مليئة بالأحداث التي يتعرض لها الفرد أو الجماعة. ولا يقوى بنو الإنسان على دفعها أو تحويلها. ولكن يعدون لها العدة، من الإرادة القوية، والصبر الجميل والعزيمة والمثابرة. فإذا فاجأهم عدوهم، لم يفاجئهم إلا وهم معدون لكل شيء عدته، ويستقبلون هذه الخطوب بالصمود لها حتى تنجلي غواشيها، ويخرجوا منها أعزاء، لا يغمد لهم سيف، ولا تنكس لهم راية، ويكون لهم بحول الله وقوته التمكين والعزة بين الأمم.
والشجاعة في الإسلام من أفضل مزاياه ؛ لأنها مزيج من عناصر تنطوي على قوة الاحتمال ومواجهة الخطوب في أوقات المحن والكروب. حتى يخرج أهله ظافرين منتصرين.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، فإذا استحر القتل في معركة، واحتدم القتال، احتمى الصحابة بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد حفل تاريخ الإسلام بالرجال الذين تمكنت فيهم هذه الفضيلة في أرقى أطوارها، حتى صاروا مثلاً عالية في قوة الاحتمال، وصلابة الفرد عند الشدائد.
فمن هؤلاء: جعفر بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب، ففي غزوة مؤتة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالراية إلى زيد بن حارثة وجعفر وعبدالله بن رواحة على أن يتولاه في أول الأمر زيد، فإذا قتل فجعفر، فإذا قتل فعبد الله.
فلما التحم جيش المسلمين بجيش المشركين: قاتل زيد قتالاً شديدًا حتى وقع قتيلاً ، فتقدم جعفر، فاقتحم على فرس له فعقرت ثم تناول الراية وقاتل حتى قطعت يده اليمنى. فأمسكها بيده اليسرى. وقاتل حتى قطعت يسراه. فلم يلقها حتى خرَّ صريعًا وقد مزقت السيوف والرماح جسده. وأحصوا ما أصاب جسمه من جراحات فبلغت بضعًا وسبعين ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح.
وكان بلال رضي الله عنه مثالاً في الصبر وقوة الاحتمال. إذ كان من السابقين في الإسلام، فلما أسلم وكان المسلمون يومئذ قلة، تعرض للإمعان في التعذيب؛ لأن قريشًا كانت تغلي حقدًا على كل من أسلم وخاصة المستضعفين منهم.
فجعل أبو جهل يبطح بلالاً على وجهه في الشمس بمكة، ويضع الحجر عليه حتى يذوق أليم العذاب. ويقول له: اكفرْ برب محمد. فيقول بلال: أحد أحد. ومزج أليم العذاب بحلاوة الإيمان. وظل هكذا حتى اشتراه أبو بكر وهو مدفون بالحجارة يعذب بها. (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) .
وكما صبروا على تحمل الآلام في ساحات القتال ، صبروا على الجوع وقت السلم. قال أبو هريرة: كنت ألصق بطني بالحجر من الجوع.
وقال سعد بن وقاص: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما لنا طعام إلا ورق الحبل (شجر العنب).
على هذه الصورة كانت مقاومتهم لآلام الجسد، وبنفس هذه الصورة كانت مقاومتهم للعواطف والشهوات.
حدث سعد بن أبي وقاص عن نفسه ، قال: كنت رجلاً بارًا بأمي فلما أسلمت، قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي. فقال يا أمي لا تفعلي فإني لا أدع ديني . قال فمكثت يومًا لا تأكل. فأصبحت وقد جهدت. فقلت والله لو كان لك ألف نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء. فلما رأت ذلك أكلت وشربت وفي هذه الحالة أنزل الله قوله الكريم: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا).
فأي سلطان يبدل النفوس ويحيلها خلقًا آخر يلوذ بالصبر ويعتصم بالعزم أقوى من سلطان الإسلام؟
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لأسامة بين زيد خمسة آلاف درهم، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين فقال ابن عمر: آثرت علىّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد؟ فقال: إن أسامة أحب إلى رسول الله منك وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.
وكان عمر رضي الله عنه ينام على التراب، ويلبس الخشن من الثياب، ويعيش وهو في الخلافة على الصورة المتواضعة التي كان عليها قبل الخلافة كما كان ينفر من مظاهر الدنيا التي يحرص عليها أولو الجاه والسلطان.
ولما امتدت الفتوح الإسلامية في عهد عمر أرسل ملك الروم رسولاً إلى المدينة يستطلع أحوال أمير المؤمنين، ويقف على أموره من حيث المسكن والمعيشة والجند الذين حوله ، فلما وصل الرسول إلى المدينة سأل عن عمر رجلاً في الطريق بقوله: أين ملككم؟ قال: ما لنا ملك بل لنا أمير. فقال أين قصره؟ فقال لعلك تراه نائمًا تحت شجرة أشار إليها. فذهب إليه ووجده نائمًا من دون حرس يحر

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا