شبهات حول تطبيق الشريعة الإسلامية
بقلم أ.د / محمد نبيل غنايم
أستاذ الشريعة – كلية دار العلوم – جامعة القاهرة
( الحلقة الأولى )
يعتبر موضوع الشبهات من أخطر الموضوعات التى تهم المسلمين ، لأنها تستهدف عقيدتهم وشريعتهم وثقافتهم وكيانهم وشخصيتهم وتاريخهم وأمجادهم وتراثهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة للتعرف على هذه الشبهات وتلك الافتراءات والأباطيل للتصدى لها والرد عليها ، وبيان زيفها وضلالها ، وتنقية الفكر مما علق به منها ، وإبراز حقائق الإسلام ومظاهر جماله وأسرار حكمته فيما شرع لنا من وجوه الخير وأسباب السعادة فى الدنيا والآخرة .
وقد قيض الله – عز وجل – لدينه قديماً وحديثاً من قام بهذا الجهد وأدى ذلك الواجب فتصدى العلماء قديماً وحديثاً لهذه الشبهات وفندوها وبينوا زيفها وكشفوا عن بطلانها وردوا كيد أصحابها فى نحورهم ، وأبرزوا جمال الإسلام معتمدين على ما فى القرآن الكريم من آيات بينات ، وما فى السنة المطهرة من حجج واضحات ، فنحن بحاجة إلى علم جديد يسمى ” علم المواجهة وكشف الشبهات وتصحيح المفاهيم ” .
وإن شاء الله تتضافر الجهود وتتآزر الهمم والدراسات فى الكشف الدائم عن هذه الشبهات والأباطيل والتصدى لها بما يكشف عن بطلانها ويعريها مما تستر به من أوهام وأكاذيب .
وقد وجه إلى هذا الجانب من التشريع الإسلامى أكثر مما وجه إلى غيره من شبهات وافتراءات ، ولعل السبب فى ذلك واضح ، فإذا أشيع بين الناس أن الشريعة ليست ملائمة للعصر وغير صالحة للتطبيق بحث الناس عن تشريع آخر ، وقوانين يظنون أو يقنعون بأنها الصالحة دون غيرها للتطبيق ، حينئذ يترك التشريع الإسلامى ويهجر ، وهذه هى الخطوة الأولى للقضاء عليه نهائياً .
والمفترون من مثيري هذه الشبهات لم يتركوا جانباً من جوانب التشريع ومجالاته إلا أثاروا حوله شبهة أو أكثر واستغلوا سهماً أو أكثر فى إصابته ومحاولة القضاء عليه ، ومن هنا تعددت الشبهات وتنوعت ، فشبهات تدعى جمود الشريعة وعدم تطورها ، وأخرى تتهمها بعدم الصلاحية والملاءمة للعصر ، وثالثة تتهمها بالظلم والقسوة على المرأة ، وأخرى تتهمها بالقسوة والهمجية والوحشية فى العقوبات ، وخامسة تتناول العبادات وتتهمها بتربية الناس على الخضوع والخوف ، وسادسة تنادى بفصلها عن الدولة ووقوفها عند المساجد فقط ، وسنقف أمام كل شبهة وافتراء من ذلك حتى نبين كذبه وبطلانه ، ونظهر سقوطه وترديه أمام الحجج الواضحة والأدلة الساطعة ، وبالله التوفيق .
أ- القول بجمود الشريعة وعدم تطورها .
قول كاذب وافتراء يدحضه ما يلمسه الصديق والعدو من هذه الثروة الفقهية العظيمة التى قدمها فقهاء الإسلام وليس لها مثيل فى العالم انطلاقاً من مرونة التشريع الإسلامى وسعته وتشجيعه على الاجتهاد والتطور ومجابهة تحديات كل عصر وكل بيئة بقواعد التشريع العامة القائمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكان لاشتمال القرآن الكريم على مئات الآيات الحافلة بأحكام التشريع القدوة والهداية للانطلاق منها إلى مئات أخرى من الأحكام بفهمها والقياس عليها والاهتداء بروحها وحكمها ، كما كان لآلاف الأحاديث التى خاضت فى جزئيات الحياة الفقهية وفصلتها تفصيلاً كاملاً الأسس للفقهاء ينسجوا على منوالها ويهتدوا بهداها فى مئات الأحكام وآلاف الفروع والقضايا ، كما أن كثيراً من الآيات والأحاديث ربطت بين الحكم وعلته وبينت ما فيه من الحكمة والمصلحة فكان ذلك تمهيداً للقياس وجعل أولى الألباب يعدون ما عرفوا من أحكام إلى ما جد من صور مشابهة .. وبهذا لم تبق جزئية بلا حكم ، ولا مشكلة بلا حل ، بل قد تجاوزوا ذلك إلى افتراض أمور لم تحدث ومسائل لم تقع وذكروا لها أحكاماً ، وصدق الشافعى : ” لا تنزل بالمسلمين نازلة إلا ولها حكم فى كتاب الله ودليل بالهدى ” وكيف يتهم التشريع بالجمود وهو تشريع الرسالة الخاتمة ودستور الناس إلى يوم الدين ؟ ولما كانت النصوص متناهية والوقائع غير متناهية كان لابد من الاجتهاد الذى استطاع أن يجد لكل قضية حكماً ولكل جزئية أو سؤال جواباً . ولم يعجز الإسلام على مدى القرون الماضية عن مواجهة المواقف وتصريف الشئون وسياسة أحوال الأمة فى الداخل والخارج سياسة لم يعرف لها نظير فى أى تشريع ولا تزال عوامل النجاح قائمة إلى اليوم وستستمر غداً وإلى أن تقوم الساعة بإذن الله فكيف يقال إنه جامد ولا يتسع لحل مشكلات العصر ولا يتناسب مع قضاياه ؟
ثم ما هو التطور الذى ينشدونه ويدعون إليه ويتهمون الشريعة بعدمه : إن كان الإلحاد والفسق والمجون والاحتكام إلى قوانين العباد وتضييع حاكمية الله عز وجل ، وهو قطعاً ما يقصدون ، فبئس ما يدعون إليه ، وبئس هذا التطور إلى الهلاك والصعود إلى الهاوية كما يقولون ، أما التطور المحمود الذى يتفق مع قواعد الإسلام وأسسه فقد دعا إليه التشريع الإسلامى وحافظ عليه بأصوله ومبادئه ، ف


