خطاب مفتوح إلى فضيلة شيخ الأزهر
بقلم: على عيد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..
نشرت بالأخبار يوم الجمعة الموافق 10/ 12/1976 مقالًا عن المقررات التعليمية بالمعاهد الثانوية الأزهرية، عنونته بما يلي: (كلام لا يصدقه عقل يدرسونه في الأزهر) وعرضت فيه بعض الأشياء المبثوثة في الكتب المقررة على طلاب المعاهد الأزهرية، والتي لا تعتمد على سند نقلي أو عقلي، مما لا يصح معها بناء الدعاة وإعدادهم لمواجهة الناس، وما من شك في وجوب انتقاء المواد والروافد المكونة لثقافة الداعية والمتصل بالدعوة، لاسيما وهو ينتسب إلى الأزهر. وطالبت المسئولين عن الأزهر الحفاظ على قيمة الأزهر وأصالته الفكرية الحضارية، وتدعيم بنيانه الثقافي والحضاري في مواجهة الغزو الفكري الإلحادي والتبشيري، وذلك بتغيير هذه المقررات المؤلفة في عصور ضعف علمي قد ذهبت في ذمة التاريخ، بأخرى تؤلف خصيصًا في يومنا هذا، والجامع الأزهر عامر بعلمائه وأساتذته في كل فنون المعرفة، أو انتقاء كتب مؤلفة فعلًا بأقلام أعلام الأمة المحققين، أو تنقية هذه المؤلفات وتطهيرها من الخرافة، حتى نجد جيلًا من الدعاة محصنًا بسلاح الأثر الصحيح والمنطق العقلي الصريح. ولن يتأتى ذلك بتربية دعاة المستقبل على أمثال كتاب (شرح البيجوري على الجوهرة) الذي عددت في مقالي بعض ما به من خرافة، تسيء إلى الإسلام وتهدم العقيدة ولا تلتقي مع العقل في سبيل. ويكفي أن تعلم أن بعض حكايات الكتاب تدعى أن الأولياء يخرجون من قبورهم ويقضون حوائج الناس، وأن إبليس باض خمس بيضات فأنتج الجن، وأن الخضر وإبليس حضرا غسل النبي وغير ذلك من الأباطيل، مما لا يليق وجوده بكتاب يدرسه الأزهريون تحت عنوان علم العقيدة أو التوحيد. ولخطورة المقال شكلت لجنة علمية من السادة أصحاب الفضيلة برئاسة الدكتور عبد المنعم النمر، وقررت تنقية الكتاب من النقاط الصارخة في خرافيتها، وخرج الكتاب بعدها في جزء واحد متوسط، بعد أن كان في جزئين. وحمدت الله على ذلك، وفهمت أن الكتاب خلا فعلًا من كل الشوائب، غير أنني اكتشفت مؤخرًا أنني كنت واهمًا في ذلك. إذ ما زال الكتاب بحاجة ماسة إلى المراجعة والتنقية والتهذيب ولا حول ولا قوة إلا بالله..!
فمما يثير العجب والدهشة أن المؤلف مولع بإقحام إبليس في كل قضية، فيحكي أنه ناقش فلانًا وامتحن فلانًا. حتى الأنبياء وأولي العزم من الرسل، تعلموا على أيدي إبليس لعنه الله..!
ففي صفحة 256 من الكتاب الذي أقرته اللجنة يقول البيجوري (ويروى أن إبليس قال لسيدنا نوح عليه الصلاة والسلام: خذ مني خمسًا، قال: لا أصدقك، فأوحى الله إليه أن صدقه، فقال: قل. فقال: إياك والكبر، فإني إنما وقعت فيما وقعت فيما وقعت فيه بالكبر، وإياك والحسد فإن قابيل قتل أخاه هابيل بالحسد، وإياك والطمع فإن آدم ما أورثه الله تعالى ما أورثه إلا بالطمع، وإياك والحرص، فإن حواء ما وقعت فيما وقعت فيه إلا بالحرص، وإياك وطول الأمل فإنهما ما وقعا فيما وقعا فيه إلا بطول الأمل) مثل هذه القصص حينما توجد في كتب الأسمار والروايات الشعبية ومجالس العوام، ربما كان شيئًا لا يقام له كبير وزن، أما أن توجد بكتاب علمي ينتسب إلى العقيدة الإسلامية يتخرج فيه الدعاة باسم الإسلام. فذلك أمر لا يجب السكوت عليه..!.
وفي صفحة 129 يقول: (ويحكي أن إبليس قبحه الله تمثل بين يدي الشافعي رضي الله عنه وقال: يا إمام، ما تقول فيمن خلقني لما اختار، واستعملني فيما اختار، وبعد ذلك إن شاء أدخلني الجنة وإن شاء أدخلني النار، أعدل في ذلك أم جار؟ قال الإمام: فنظرت في مسألته فألهمني الله تعالى أن قلت: يا هذا إن كان خلقك لما تريد أنت فقد ظلمك، وإن كان خلقك لما يريد هو فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فاضمحل إبليس وتلاشي. ثم قال: والله يا شافعي لقد أخرجت بمسألتي هذه سبعين ألف عابد من ديوان العبودية إلى ديوان الزندقة.
فهذه الرواية قامت على الكذب أساسًا، إذ صح وثبت عن الشافعي قوله: من زعم أنه قد رأى الجن رددنا شهادته .. وغير معقول ولا مقبول أن يقول ذلك ويروي أنه ناظر الجن وشاهدهم، وفيها ما فيها من تشويش على العقيدة الإسلامية إذ يقرر القرآن في إبليس أنه لا يرى: ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) الأعراف 27.ومن جهة أخرى هدم لمسألة الإيمان بالقدر، فكيف غاب ذلك عن سادتنا الأجلاء سامحهم الله..؟!.
وتجده في صفحة 94 يحكي حكاية أخرى، يثبت بها حياة شخصية الخضر وبقاءه دون موت منذ عصر سيدنا موسى عليه السلام، وأنه سأل ابن الشجرى سؤالًا فعجز عن إجابته، فرأى النبي في المنام الذي أخبره أن سائله هو الخضر وأجاب عن السؤال، فحين أتاه السائل وأجابه قال له: صل على من علمك ومضى مسرعًا..
وهنا أعتقد أن دعاة المستقبل إذا واجهوا الناس بمثل هذه الأمور، سيقعون في حرج شديد، إذ لا يعقل أب


