خصائص العقيدة الإسلامية
بقلم : فضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد بدر
– 1 –
مقدمة البحث
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . والصلاة والسلام على من هدى الله به من الضلالة وأرشد به من الغواية وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .
أما بعد – فهذا حديث موجز عن أهم خصائص العقيدة الإسلامية التى جعلت من الإنسان العربي الذى ما كان يفكر إلا فى خاصة نفسه أو التعصب الأحمق لقبيلته – جعلت منه إنسانا يبذل من ذات نفسه ويضحى بعشيرته وأهله من أجل أن ينقذ غيره ويهدى البشرية الضالة – التى كان هو واحدا منها – إلى سواء السبيل . والتي صاغت من هذه الأمة العربية المتناحرة ، والتي ألغت عقلها فنحتت من الجبال أحجارا واتخذتها أربابا تتقرب إليها من دون الله وتستقسم بها وتهتف باسمها – صاغت منها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله . فأقول وبالله التوفيق .
حاجة الإنسان إلى عقيدة :
الإنسان فى كل زمان ومكان وعلى كل حال فى حاجة ماسة إلى عقيدة يدين بها ويخضع لها ، وتحدد غايته وترسم له منهجه الذى يسير عليه نحو تحقيق هذه الغاية .
* قد يجدها الإنسان البدائي البسيط – حين تنتكس فطرته وتطول غفلته – فى تعظيم حجر أو شجر ، أو تقديس شمس أو قمر ، أو تمجيد ملك أو جنى أو نبي أو ولى ميت أو حي أو غير ذلك مما يكبر فى نفسه .
* وقد يكون ذلك لمجرد التقليد من غير وعى أو تفكير . قال الله تعالى : ” وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُون ” 20 – 22 الزخرف .
* وقد يجدها الإنسان الحضاري المعقد – حين يخلد إلى الأرض ويتبع هواه ويضله الله على علم – فى المادة الجامدة التى يشكلها كما يريد ويتمتع بها كما يشاء ، أو فى الآلة الصماء التى تدير له المصانع الضخمة أو تسير به فوق الماء أو تحلق به فى الفضاء ، فيفتن بها ويغتر بها وإذا قيل له : ” وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ” 77 – 78 القصص .
* ولكن هل كان من البدائي البسيط والحضاري المعقد مقتنع بما آمن وقدسه ووجد فى ذلك الطمأنينة وسكينة النفس ؟
* الواقع يقول لا ، فإذا مس أحدهما الضر وانقطعت عنه أسباب النجاة المادية استيقظت فطرته وزالت عن قلبه الحجب المصطنعة وعلم أن من وراء ذلك قوة خفية تستطيع وحدها أن تنجيه وتأخذ بيده إلى شاطئ الأمان فينسى ما هو فيه من ضلال ويدعو ربه منيبا إليه ليكشف ضره فإذا كشف الله ضره انتكس مرة أخرى إلى غفلته ونسيانه أو غروره وعصيانه وكان من الكافرين .
يقول الله تعالى : ” وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ” 8 – الزمر . ويقول سبحانه ” فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون ” 49 – 50 الزمر.
* وهكذا نرى الإنسان غير المسلم أيا كان فى حال اليسر والرخاء يؤمن بما يريد ويقدس ما يحب . ولكنه حال العسر والضراء يرى أن ما آمن به وقدسه من دون الله لا يغنى عنه شيئا ، فهو مذبذب بين الحالتين لا يستقر على اعتقاد واحد .
* وهو متردد بين اعتقاد موروث أو علم مكسوب ، وبين ما استتر من فطرته واستكن فى قلبه من الإيمان بأن وراء هذا الكون العظيم قوة خفية خالقة له ومدبرة لشئونه منذ أشهد الله بنى آدم على أنفسهم وهم فى عالم الغيب بأنه ربهم الذى لا رب سواه .
* قال الله تعالى : ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون ” 172 – 173 الأعراف .
* ومن كان هذا حاله ( مترددا بين حالتين


