جوهر الإسلام
بقلم : رجب خليل
مذيع بإذاعة القرآن الكريم
حول معنى التوحيد
التوحيد هو القاعدة الصلبة التى يقوم عليها إيمان المؤمن ، وتستقيم سائر الأعمال وتكون مقبولة عند الله تعالى إن كانت هذه القاعدة قوية متينة . أما إن اختلت فسيختل ما فوقها من بنيان عقائدي . وحينئذ تفسد سائر أعمال العبد وتصبح هباء منثورا .
وحقيقة التوحيد هى البراءة من عبادة كل ما سوى الله ، والإقبال على الله بالقلب والعبادة ” فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ” ويظن الكثير من الناس أن التوحيد ما هو إلا النطق بالشهادة دون اعتقاد المعانى بالقلب أمثال عباد القبور الذين يقولون لا إله إلا الله ، ومع ذلك يعبدون الموتى ، فيستغيثون بالبدوى والدسوقى وغيرهم فيطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ويطوفون بقبورهم ويذبحون لهم .
ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن تفرد الله بالعبادة فلا تعبد معه غيره . فإن قال المؤمن كلمة التوحيد ، فقد أعلن البراءة من كل معبود سوى الله وعليه أن يلتزم بعبادة الله وحده وبفعل المأمورات وترك المنهيات ” ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ” . إذن فلابد للناطق بكلمة التوحيد أن يعرف معناها ليعمل بمقتضاها حتى ينعم بفضلها . وبديهي أن ( لا إله إلا الله ) هى إقرار بأنه لا يستحق العبادة إلا الله ، وأن كل معبود سواه باطل ” وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” .
وها هو ذا إبراهيم عليه السلام الذى وصفه ربه بأنه كان أمة فى توحيده وعبادته ، ها هو ذا يعلن البراءة من كل ما يعبد من دون الله من المعبودات المخلوقة ” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُون * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون ” ومرة أخرى يجلى قول ربنا هذا المعنى الحقيقي لكلمة التوحيد ، إنها البراءة مما يعبد من دون الله وإفراد الله وحده بالعبادة ، لا مجرد الإقرار بوجود الله وأنه هو القادر الخالق الرازق المحيى المميت .
ويؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فيقول ( من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ، وحسابه على الله ) فالشطر الأول من الحديث هو الإقرار بكلمة التوحيد ، أما الشطر الثانى منه فهو العمل بها .
فإذا جاء مخلوق من دون الله يحرم الحلال ويحلل الحرام ويضع الأنظمة والقوانين لتقوم عليها حياة البشر وطلب الطاعة فى ذلك فقد نازع الله فى اختصاصاته لأنه سبحانه هو خالق الناس وهو أعلم بما يصلحهم . وقد حذر الله تبارك وتعالى وأنذرنا بأن الطاعة لأمثال هؤلاء تكون عبادة لغير الله ” اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ” فقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لعدى بن حاتم حينما أتاه مسلما – قال يا رسول الله – إنهم لم يعبدوهم . فقال صلى الله عليه وسلم إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم .
ومثال آخر نحاول من خلاله أن نستوضح معنى التوحيد ” وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه ” من الآية نفهم أن الإخلاص يتحقق فى قلب العبد إذا أحب الله وحده وأحب فيه وأحب له ، وأن الشرك يتحقق بدل الإخلاص فى قلب العبد إذا أحب الله وأحب معه غيره ، فقلب المؤمن لا يتسع إلا لحب خالقه فقط ، وهذا من كمالات التوحيد ” يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” يقول ابن القيم رحمه الله ( ليس لقلب المؤمن صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما ، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى ، فلا يحب إلا الله ، ولا يحب إلا الله ) . انتهى
ويقول ربنا مخبرا عن هذا الصنف ” تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ” إنهم يخاطبون آلهتهم الذين أحبوهم ، ومعلوم أنهم ما ساووهم به سبحانه فى الخلق والرزق والملك وإنما ساووهم به فى المحبة والتعظيم والطاعة .
والحب والخوف والرجاء مقامات ثلاثة تحمل حقيقة التوحيد وحقيقة دين الإسلام ” أُولَئِكَ الَّذِي


