الحدود الشرعية كما يفهمها العلماء
خمارة حقيقية
فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر ( رحمه الله )
إن حوادث القاهرة فى يوم السبت 26 يناير سنة 1952 ، لا تكاد تنسى . فهى أشد ما رأينا من الفظائع والإجرام بما كان فيها من عدوان وبغى وسرقة وتدمير ، دون أن يردع المجرمين رادع . والسلطة القائمة الآن بسبيل وضع اليد على المجرمين اللصوص ، وعلى من وراءهم من المحرضين والمدبرين ، ونحن على ثقة من وصول يد العدل إلى هؤلاء وأولئك ، إن شاء الله .
ولكن لنا عبرة فى بعض النواحى التى تكشف عنها هذه الأحداث المدمرة فمن مثل ذلك أنا كنا نسمع ونحن أطفال صغار ، ثم شبان ناشئون ، أن يطلق العامة وأشباههم على ” لوكندة شبرد ” اسم ” خمارة شبت ” وكنا لا نعرف ما وراء هذا الاسم من حقيقة فظيعة ، لم يكن خيالنا ليصور وجودها فى بلد ” إسلامى ” أو هكذا يسمى . حتى جاءت هذه الأحداث الفظيعة ، فكشفت لنا بعض هذه الحقائق المنكرة . وما ندرى أيهما أشد فظاعة وأنكى ؟ أهذه الحوادث أم هذه الحقائق ؟!! حتى أعلمتنا هذه الحقائق أن العامة فى طفولتنا كانوا : إما ملهين ، وإما عارفين .
فقد رأينا فى بعض الصحف التى تصف ما لقيت ” لوكندة شبرد ” من التدمير أن ” قبو الفندق كان يحتوى على أكثر من 26ألف صندوق من صناديق الويسكى ” وقد ضاعت كلها فى الحريق . وذلك يعنى أن مخزون الويسكى بالفندق زاد على ربع مليون زجاجة . كما يقولون إن نحو مائة ألف زجاجة شمبانيا قد ذهبت هى الأخرى طعمة للنيران . كما دمرت عدة صناديق من الكونياك المعروف باسم كونياك نابليون ، وعمر الزجاجة الواحدة منه أكثر من 70سنة . وكانت إدارة الفندق تحتفظ بهذه الزجاجات ولا تقدمها إلا لنزلائها من الملوك ، فإذا صدق ما قيل من أن المواد الكحولية هى التى ألهبت الحريق ، وكانت السبب المباشر للتدمير الشامل ، فإن ذلك يعنى أن حريق شبرد قد غدته هذه المشروبات الروحية بأكثر من 70000سبعين ألف جالون من المواد الكحولية الملتهبة ( عن جريدة الأساس يوم الأربعاء 17 جمادى الأولى سنة 1371- 13فبراير سنة 1952 ) .
إذن فلم يكن ” شبرد ” فندقاً ، أو لوكندة ” كما يسمى : بل كان ” خمارة حقيقية ” هى أجدر باسم ” خمارة شبت ” كما كان يسميها العوام والدهماء .
إذن فقد كان وصمة عار فى جبين بلد يوصف بأنه ” بلد إسلامى ” ، وفى جبين دولة ينص دستورها على أن ” دين الدولة الإسلام ” .
وها نحن أولاء نرى الأخبار تبشر البلاد ! بأن شركة مصرية قد تتشرف بإعادة هذه ” الخمارة ” إلى سابق مجدها المخزى المخجل ! وما ندرى ما حقيقة هذا ؟ ولكنا على ثقة بأن سيعود هذا الخزى والفجور سافراً متهتكاً ، سواء أقامه ناس من الحيوانات الأوربية المنحلة ، أم أقامه ناس من عبيدهم عقلاً وروحاً ممن ينتسبون عاراً بحق الولاد إلى هذه الأمة الإسلامية المسكينة !
وما كانت ” خمارة شبت ” وحدها بالعار الذى تخزى به هذه الأمة المنتسبة إلى الإسلام . ولكن الحوادث أظهرتها مصادفة مثالاً بارزاً يتحدث عنه .
وأرى أنه يجب على الأمة الإسلامية عامة ، وعلى الأمة المصرية خاصة . أن تحدد موقفها من الدين والخلق ، ثم من الدنيا ومتاعها . وأنا أعرف ما سيتحدث به عبيد أوربا وعبيد المال ، من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا ، وممن لا يستطيعون الصبر عن تلمس المتعة حيث كانت ، وممن لا يستطيعون الصبر عن ” الفن والجمال ” !! وعن الشهوات وعبادة المال .
أتريد هذه الأمة أن تعبد الله وحده ، وتقف عند حدوده التى أمر بها كل من انتسب إلى الإسلام ، أم تريد أن تعبد المال وحده ، فتحرص على وروده من أوربا من أى طريق كان ، ولو من طريق التهتك والفجور ؟!
على الأمة أن تختار أحد الطريقين : فإما إلى الجنة وإما إلى النار .
ولكن ، فليعلم المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك أن يعمهم الله بعقابه ” (1) [حديث صحيح رواه أحمد ] .
وليعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لعن الله الخمر ، ولعن شاربها وساقيها وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها ” (1) فليختر امرؤ لنفسه . حديث صحيح رواه الإمام أحمد (5716) .


