تحت راية التوحيد
لفضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد بدر
– 14-
ذكرنا في المقال السابق نوعين من التوسل المشروع:
الأول: التوسل إلى اللَّه سبحانه وتعالى بالإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام وطاعته ومتابعته في حياته وبعد مماته صلى اللَّه عليه وآله وسلم.
والثاني: التوسل بدعائه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وشفاعته في حال حياته، وحين تطلب منه الشفاعة في الآخرة ويأذن اللَّه تعالى فيها.
ومن هذا النوع طلب الدعاء من الصالحين الأحياء، وضربت لذلك مثلاً من أدعية المؤمنين لإخوانهم وأهليهم والذين سبقوهم بالإيمان كما جاءت في القرآن.
وقلت في آخر المقال: وقد يدعو المفضول للفاضل لأن الكل يسأل اللَّه، واللَّه خير مسئول، وما صلاتنا وسلامنا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلا دعاء له. وأين نحن منه صلوات اللَّه وسلامه عليه، وما كل الصالحين بعده إلا حسنة من حسناته، ومع ذلك فقد طلب اللَّه تعالى منا أن نصلي عليه، قال اللَّه تعالى: {إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].
ثالثًا: ومن التوسل المشروع: التوسل بالأعمال الصالحة في قبول الدعاء أو حصول الثواب من اللَّه تعالى.
فمن الأول: توسل الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار في قبول دعائهم وتفريج كربتهم بأعمال صالحة أخلصوا فيها لله رب العالمين إذ سأله أحدهم ببره لوالديه، والثاني بعفته عن الزنى خشية للَّه، والثالث بأمانته وإحسانه إلى أجيره، ففرج اللَّه عنهم وخرجوا يمشون والحديث مشهور وقد مر ذكره من قبل.
ومن الثاني: توسل المؤمنين بإيمانهم ليغفر اللَّه لهم ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم، وينجز لهم وعده على لسان رسله إذ قالوا: {رَّبَّنَا إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 193- 195].
وقال اللَّه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109].
وفي الحديث القدسي: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: ” إن اللَّه قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استغاثني لأغيثنه” رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عنه.
هذا هو التوسل المشروع بأقسامه الثلاثة.
أما التوسل غير المشروع فهو:
أولاً: التوسل بالأشخاص إذ لم يثبت في إباحته حديث صحيح عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم، ولم يثبت أن الأنبياء توسل بعضهم ببعض، وقد فضل اللَّه بعضهم على بعض، فلم يتوسل المفضول فيهم بالفاضل عليهم الصلاة والسلام.
والقرآن على ذلك خير شاهد، فليس فيه توسل واحد إلى اللَّه بأحد من خلقه، والذين توهم بعض الناس أنهم يقربونهم من اللَّه حين يدعونهم قال اللَّه عنهم إن أكثرهم قربا منه هم الذين يحرصون على ابتغاء الوسيلة والتقرب إليه قال اللَّه تعالى: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} قال المفسرون: إن العرب كانوا يدعون الملائكة، واليهود كانوا يدعون عزيرًا، والنصارى كانت تدعو المسيح ابن مريم، فقال اللَّه ما قال مبينًا أن الملائكة والنبيين والصالحين أشد حرصًا على ابتغاء الوسيلة أو التقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال.
كما لم يتوسل الصحابة رضي اللَّهُ عنهم برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بعد مماته، وإنما توسلوا بعمه العباس رضي اللَّهُ عنه، يدعو لهم حال استسقائهم وهم يؤمنون على دعائه، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّهُ عنه إذ قال: ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا لنتوسل إليك بعم نبينا- ثم قال- قم يا عباس فادع اللَّه لنا ) رواه البخاري.
ولو كان التوسل بذات الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم جائزا لما عدلوا عنه إلى عمه العباس يدعو لهم، إذ لا ذات أفضل من ذاته صلوات اللَّه وسلامه عليه على الإطلاق لا حيًا ولا ميتا، وليس أحد أعرف بقدره صلى اللَّه عليه وآله وسلم من أصحابه الكرام الذين كانوا يفدونه بأنفسهم وأموالهم.
وإذا كان التوسل بذات الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم لم يحدث في زمنه ولا


