تحت راية التوحيد لفضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد بدر
– 13-
رأينا في المقالات السابقة كيف كان يتوسل الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم وهم صفوة الخلق- كيف كانوا يتوسلون إلى ربهم في قبول الدعاء وتحقيق الرجاء وقضاء الحاجات وكشف الكربات مما قصه علينا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
فما كان إلا اللجوء إلى اللَّه تعالى مباشرة والاستعانة به وحده دون اتخاذ الوسطاء بينهم وبينه جل شأنه، وهذا ما يجب أن يكون عليه كل مؤمن في كل زمان ومكان، اقتداء بأنبياء اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم، الذين آتاهم اللَّه الكتاب والحكم والنبوة وقال عنهم: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}90 – الأنعام.
ثم إن ابتغاء الوسيلة إلى اللَّه أي: التقرب إليه عبادة وطاعة، ولا تكون إلا بما شرعه اللَّه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولا شرع إلا بدليل، ولم يترك اللَّه سبحانه وتعالى في أمور العقيدة اجتهادًا لمجتهد.
ولا شك في أن سؤال اللَّه تعالى ورفع الحاجات إليه دليل على العبودية لله والذل والافتقار والخضوع، وتوسيط الغير بين اللَّه وعبده يضعف من هذه العبودية وكمال الذل والافتقار والخضوع له- قال صاحب ” في ظلال القرآن”: عند قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} اتقوا اللَّه واطلبوا إليه الوسيلة وتلمسوا ما يصلكم به من الأسباب. وفي رواية ابن عباس: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} أي: ابتغوا إليه الحاجة- قال: والبشر حين يشعرون بحاجاتهم إلى اللَّه وحين يطلبون عنده حاجاتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية ويكونون بهذا في أصلح أوضاعهم وأقربها إلى الفلاح. ا هـ.
وبناء على ما سبق نقول: إن التوسل بهذا المعنى قسمان: مشروع، وممنوع.
والتوسل المشروع يكون:
أولاً: بالإيمان برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته. قال اللَّه تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} 7- سورة الحديد.
وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} 31، 32 سورة آل عمران.
وهذا النوع من التوسل لم يختلف عليه أحد من العلماء سواء كان في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد مماته فهو باق إلى يوم الدين ومن أنكره كان من الكافرين.
ثانيًا: التوسل بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعته وكان هذا في حال حياته، وسيكون إن شاء اللَّه في الآخرة حين يتوسل الناس به إلى ربهم فيدعو اللَّه جل وعلا ويؤذن له في الشفاعة.
وفي الصحيحين: أن المسلمين لما أجدبوا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع اللَّه يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه وقال: ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا ) وما في السماء قزعة فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعًا لا يرون فيه الشمس حتى دخل الأعرابي- أو غيره- فقال: يا رسول اللَّه انقطعت السبل وتهدم البنيان فادع اللَّه يكشفها عنا فرفع يديه وقال: ( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ) فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب. وهذا في حياته عليه الصلاة والسلام.
وفي الآخرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب الشفاعة من غير فخر ) رواه أبو داود.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( كل نبي سأل سؤالاً _ أو قال- لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ) رواه الشيخان.
والتوسل بدعاء الصالحين الأحياء وشفاعتهم جائز لا إثم فيه، لأنهم يسألون اللَّه لمن طلب منهم الدعاء وقد مر بنا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (.. ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة ) ( فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلت له شفاعتي ).
وقد رغب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن أن يدعو لأخيه، وحتى بدون طلب منه وبظهر الغيب، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل اللَّه به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل ) رواه مسلم.
وفي القرآن الكريم دعوات كثيرة من المؤمنين لإخوانهم مثل: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌٌ رَّحِيمٌ} 10- الحشر.
{رَبَّنَا اغْ


