تحت راية التوحيد
بقلم: فضيلة الشيخ/ عبد اللطيف محمد بدر
التوبة: تحدثت في المقال السابق عن أن توحيد الله عز وجل والإيمان به سبحانه يقتضيان أن يحاسب الإنسان نفسه دائماً عن تقصيره في حق الله تعالى وأن يظل على ذكر من يوم الحساب ليعد له عدته ويتلافى تقصيره حتى لا يندم ولا يتحسر في يوم لا ينفعه ذلك، ولا بد أن تكون هذه المحاسبة من خلال كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لأنهما الحكم العدل والميزان الصادق ومن تركهما فقد ضل ومن أخذ بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم
* والمحاسبة الصادقة للنفس لا بد وأن تسلم للتوبة الخالصة لله رب العالمين.
* والتوبة هي بداية العمل الصالح الذي يتقرب به العبد إلى ربه، وهي ما يجب أن تصاحبه دائماً ولا تفارقه في سيره إلى الله وقدومه عليه. لأن المؤمن يستشعر دائماً التقصير حتى ولو ارتقى إلى مقام العابدين. فإن الله تبارك وتعالى) جعلهما سبباً في الفلاح فقال جل شأنه: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الآية 31- النور. ولعل في توجيه الخطاب للمؤمنين ما يشعر بأن التوبة لا تكون فحسب من الذنب يرتكبه العبد، وإنما تكون كذلك من الشعور بالتقصير في حق الله، وكلما تقرب الإنسان من ربه أدرك التقصير في جانبه.
* وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول المقربين من رب العالمين قوله: (يأيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة) رواه مسلم رحمه الله، وفي رواية له: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) والغين: ما يتغشى القلب من الغفلات.
مع أن الله عصمه من الذنوب وحفظه من الغفلات ولكن علمه بحق الله عليه يجعله يشعر بالتقصير ولذلك يقول الله تعالى) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) الآية 28 فاطر.
* لذلك أمرنا الله عز وجل في كثير من آيات القرآن بالتوبة كما أمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك في كثير من أحاديثه حتى نكون من المسارعين إلى الخيرات ولا نكون من الغافلين.,
يقول الله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) الآية 8- التحريم
. وقال تعالى: ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) الآية 90- هود.
وقال الله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الآية 11- الحجرات.
فالذي لا يتوب إلى ربه ظالم لنفسه لأنه جاهل بربه وبحقه عليه وما أعظمه من حق.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في بيان أن التوبة مطلوبة في كل وقت: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم:(إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي تصل الروح إلى الحلقوم- رواه الترمذي.
* وإذا كانت التوبة من الإحساس بالغفلة والشعور بالتقصير في حق الله واجبة، فهي من الوقوع في الذنب وعمل المعصية أوجب، فإنه إذا ترتب على الأول نقص في الدرجات، فإنه يترتب على الثاني وقوع في أسفل الدركات، وشتان بين ما يطلب المزيد من النعيم، وبين من يريد أن يتخلص من الجحيم. والأمر في كلتا الحالتين يحتاج إلى طلب التوفيق من الله والحرص على الاعتصام بالله. قال الله تعالى: (ُوَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ) الآية 101- آل عمران- ويقول الله تعالى: ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب ) الآية 88- هود.
* والتوبة إلى الله عز وجل لا تحتاج إلى وسيط في قبولها أيا كان هذا الوسيط وليست في حاجة إلى اعتراف بالخطيئة أمام أحد من الناس.
فما على من يتوب إلا أن يطلب من الله المغفرة فيغفر الله له بل إن الله يفرح بتوبته بأشد من فرح الوالدة بولدها وقد فقدته ويئست من عودته إليها فالله تعالى يقول:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) الآية 82- طه.
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة) متفق عليه (سقط على بعيره أي وجده)
. وقال صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لولم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم) روا


