تحت راية التوحيد
بقلم: فضيلة الشيخ: عبد الطيف محمد بدر
-25-
الخصيصة الثانية للعقيدة الإسلامية أنها تقوم على التوحيد الخالص لله رب العالمين. فهي تؤكد توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم ينازعوا في أن الله هو الخالق الرازق المحيى المميت مالك الملك ومدبر الأمر كما قال الله تعالى عنهم: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ))[العنكبوت:61]، ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون)) [العنكبوت: 63].
وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم – صلى الله عليه وسلم – في معرض إقامة الحجة عليهم: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ*فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) [31،32 – يونس].
وهي تقرر توحيد الألوهية الذي أشرك فيه المشركون فلم يخصوا الله وحده بالعبادة ولم يفردوه سبحانه بالاستعانة، وإنما اتخذوا من دونه الأنداد يتقربون إليهم ويستعينون بهم: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة :5]. والله تعالى يقول لهم
((قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)) [آية 38- الزمر].
((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ*وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ)) [آيات 4،5،6- الأحقاف].
وجماع ذلك ما وجههم الله سبحانه وتعالى إليه أن يقولوا: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:5].
وتوحيد الله عز وجل بشقيه هو القاعدة الأساسية في العقيدة الإسلامية. وهو الخاصية البارزة في رسالة كل رسول كما قال الله عز وجل ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [آية 25 – الأنبياء].
فالله سبحانه وتعالى إله واحد وليس ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة كما يزعم الضالون.
والعبادة له وحده لا يشاركه فيها غيره تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ((وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ*وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)) [51،52 – النحل].
وقال الله: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [آية 73- المائدة].
هذه هي الحقيقة التي بُعث بها كل الرسل عليهم الصلاة والسلام. غير أن الانحرافات التي وقع فيها أتباع الرسل السابقين خرجت بهم من التوحيد الخالص إلى الشرك الظاهر. قال الله تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ*اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون )) [30،31- التوبة].
فجاءت العقيدة الإسلامية لتعطى التصور الصحيح عن الله رب العالمين فتقرر وحدانيته سبحانه وتقرر كذلك تفرده جل شأنه بخصائص الألوهية التي لا يشاركه فيها أحد من خلقه كائناً من كان.
فهو سبحانه واحد في ذاته وواحد في صفاته، ولم يتخذ صاحبة ولم يكن له والد ولا ولد ((وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخ


