الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

تحت راية التوحيد

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

تحت راية التوحيد
بقلم: فضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد بدر
-23-

قلت في المقال السابق أن الإسلام في سبيل الدعوة إلى الله والإيمان به سلك إلى ذلك ثلاثة طرق وتكلمت عن الطريق الأول وهو إيقاظ الفطرة السليمة في النفوس، ورفع الحجب الكثيفة عنها حتى تتجدد الصلة بين العبد وربه. وقلت: إن أوضح ما تكون هذه الصلة حية في وجدان الإنسان حينما يتعرض لأمر لا يجدي في الخلاص منه شيء فيلجأ حينئذٍ لجوءاً كاملاً لله رب العالمين، وتارة تستمر هذه اليقظة ويبقى الإنسان على صلة دائمة بربه، وتارة يرتد على عقبيه نسياناً لربه أو نكراناً لفضله كما قال ربنا عز وجل: ((وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا)) [الإسراء: 67].
أما الطريق الثاني إلى الإيمان بالله عز وجل فهو مخاطبة العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون وتدبر آياته الباهرة التي تدل على عظمة خالقها ومدبر شئونها.
فالإنسان إذا أعمل فكره فيما حوله من كائنات وما يشاهده من مخلوقات متجرداً من الهوى والغرض لا بد أن يوقن بأن لها خالقاً مبدعاً ومدبراً حكيماً، ضرورة أن كل صنعة لا بد لها من صانع، وكل خلقة لا بد لها من خالق، وهذا من البدهيات التي لا ينكرها إنسان عاقل حر في تفكيره. قال الله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ*إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [163-164 : البقرة]. وصدق من قال:

تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت سطورها ألا كل شيء ما خلا الله باطل

والله سبحانه وتعالى يقول: ((قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ))[يونس:101].
وما في السماوات والأرض إما أن يكون قد وُجد بدون خالق أو يكون قد خلق نفسه أو أن له خالقاً كما قال الله تعالى: ((أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ*أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ)) [الطور: 35-36].
ووجود المخلوقات من غير خالق أمر غير معقول عند من له أدنى تفكير صحيح، ولا يحتاج ذلك إلى بيان لأنه يخالف البدهية التي تقول: كل صنعة لا بد لها من صانع صنعها وكل موجود ولا بد له من موجد أوجده.
وكون المخلوق يخلق نفسه فأمر لم يقل به أحد، ولو قيل لم يصدق، لأن الشيء بداهة لا يخلق نفسه فكيف يكون خالقاً ومخلوقاً!!
فلم تبق إلا الحقيقة التي أعلنها القرآن الكريم واضحة بينة، وهي أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، لأن ما عداه مخلوق كما قال جل شأنه ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)) [الصافات:96]، وكما قال سبحانه ((وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)[101-102 :الأنعام].
وقد تحدى القرآن الكريم أن يكون لغير الله خلق ما، فقال تعالى: ((هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ))[لقمان:11]، وليس لأحد من دونه خلق حتى نراه.
وهذا ما أقر به المشركون الذين اتخذوا من دون الله أنداداً ممن خلق قال الله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [الزخرف: 87]. ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)) [الزخرف: 9].
فوجودنا ووجود هذه الكائنات من حولنا مع اختلاف طبائعها وخصائصها دليل على وجود الخالق لها سبحانه وقدرته وعظمته.
والتناسق العجيب والارتباط الوثيق بينها جميعاً دليل على واسع علمه جل شأنه ومطلق إرادته وعظيم حكمته وجميل تدبيره.
ومحال أن تكون المادة الصماء أو الصدفة العمياء هي مصدر هذه الحياة ومبعث هذا التناسق – كما يزعم بعض الملحدين الذين يهرفون بما لا يعرفون – وإنما ذلك كله لا يكون أبداً إلا ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)) [النمل: 88]، ((وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)) [الفرقان: 2]، ((لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [ي

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا