تحت راية التوحيد
بقلم: فضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد بدر
-21-
تبين لنا مما سبق أن الإنسان في كل زمان ومكان في حاجة ماسة إلى عقيدة تحدد له غايته وتوضح له منهجه الذي يسير عليه لتحقيق هذه الغاية.
قد يجدها الإنسان البدائي البسيط – حين تنتكس فطرته وتطول غفلته – في حجر يقدسه، أو شجر يعظمه، أو شمس تضيء نهاره، أو قمر ينير ليله، أو بحر تتلاطم أمواجه، أو نار تتلظى، أو حيوان يهابه، أو إنسان يكبر في نفسه، أو أي مخلوق يرى له فضلاً عليه من ملك أو جني أو نبي أو ولي ميت أو حي، فيتعلق من ذلك كله بما هو أوهى من خيوط العنكبوت ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)) [العنكبوت: 41].
وقد يكون ذلك منه لمجرد التقليد من غير وعي أو تفكير ((وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ*أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ*بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ*وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ))[الزخرف: (20-24)].
وقد يجدها الإنسان الحضاري المعقد – حين يخلد إلى الأرض ويتبع هواه – في مادة جامدة يصنع منها ما يشاء ويستمتع منها بما يريد، أو في آلة صماء تدير له المصانع، أو تسير به في الماء أو تحلق به في الفضاء، أو في علم يطوع به هذه المادة ويدير به هذه الآلة ويسخر له ما في السموات وما في الأرض بإذن الله.
يرى في كل هذا شيئاً عظيماً له قيمته في نفسه وأثره في حياته، فيحرص عليه ويفتن به ويخضع له في تصرفاته ويقدسه تقديساً ((
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ*وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ))[الجاثية: (23-24)].
وقديماً لما طلب من قارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة أن يحسن كما أحسن الله إليه وأن لا يفسد في الأرض ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ))[القصص: 78]
ولكن هل كل من البدائي البسيط والحضاري المعقد مقتنع بما آمن به واعتقد فيه ووجد في ذلك طمأنينة القلب وسكينة النفس؟؟
الواقع يقول: لا، فإذا مس أحدهما الضر وانقطعت عنه أسباب النجاة، ورأى أن الشر واقع به لا محالة استيقظت فطرته وزالت عنها الحجب الكثيفة، وأيقن أن هناك قوة خفية تستطيع أن تنجيه وتأخذ بيده إلى بر السلامة وشاطئ الأمان، فنسى ما هو فيه من ضلال ودعا ربه منيباً إليه، يسأله أن يكشف ضره، ويدفع عنه ما نزل به، حتى إذا فعل الله به ذلك انتكس مرة أخرى وعاد إلى غفلته وشركه أو غروره بعلمه وكان من الكافرين.
وفي أمثال الأول يقول الله تعالى: ((وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)) [الزمر: 8].
وفي أمثال الثاني يقول الله تعالى: ((فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[الزمر: (49-50)].
فكل منهما في حال الرخاء واليسر يعتقد ما يشاء ويؤمن بما يريد ويمجد ما يحب ولكنه عند الشدة والعسر يرى أن ذلك لا يغني عنه شيئاً فهو مذبذب بين الحالتين لا يستقر على عقيدة واحدة.
ومن كان هذا شأنه فهو غير مستقر نفسياً لأنه يفقد العقيدة المقنعة التي لا تفارقه بحال، فهو متردد بين اعتقاد موروث أو علم مكسوب


