بين العقل والدين
أولاً : منزلة الإسلام .. ومنزلة العقل فيه
الأستاذ عبد الكريم الخطيب
– 1 –
الدين عقيدة .. هذه حقيقة تنبع من كل دين ، أيًّا كان مبلغه من الحق ، فلا دين إلا عن عقيدة يعتقدها المتدين فيما يدين به من حق أو باطل .
ذلك أن معنى الدين هو الولاء ، والخضوع ، لمن يعطيه المرء حق الدينونة له ، ومطالبته بهذا الحق ، واقتضائه منه ، كما هو الحال بين الدائن والمدين ، حيث لا تبرأ ذمة المدين إلا بالوفاء لصاحب الدين بدينه ، وإن كان هذا التشبيه لا يمثل إلا وجهًا واحدًا من وجوه الشبه بين الدِّين والدَّيْن .. ذلك أن الدِّين أعَم وأشمل ، حيث يقتضي أكثر من حق لمن يدين له المتدين ، إذ هو مملوك لمن يَدِين له مِلْكًا مطلقًا، يتناول وجوده كله ظاهرًا وباطنًا ، جسدًا وروحًا ، عقلاً وقلبًا .
وإذا كان الدِّين على هذا الوصف من القوة والسلطان ، فإنه لا يملك هذه القوة، ولا يقوم له هذا السلطان إلا إذا كان نابعًا من عقيدة سارية في وجود الإنسان كله ، فكرًا وشعورًا ، إحساسًا وعاطفة ، وإنه على قدر ما تكون عليه العقيدة من قوة أو ضعف ، يكون مقام الدِّين ، ويكون سلطانه على صاحب هذا الدين .
والسؤال هنا عن العقيدة : ما هي ؟ وما العناصر المكونة لها ؟
ونقول : إن العقيدة هي إيمان ينتظم العقل ، والشعور ، والوجدان ، بقوة فوق قوة الإنسان ، لها القدرة على التصرف المطلق في هذا الوجود ، أو على الأقل في المحيط الذي يدور الإنسان في فلكه ويتأثر به .. وهذا المعتقد في تلك القوة ، يفرض على الإنسان الخضوع لتك القوة ، والولاء لها ، والعمل على مرضاتها ، حتى يضمن الأمن والسلامة في ظلها ، فتمنحه الخير ، وتدفع عنه الأذى والضر .
وهذا التصور الذي يعتقده الإنسان في هذه القوة ، إنما يتخلق من مجموعة من الأفكار والمدركات – الحقيقية أو الوهمية – التي تكشف للمرء عن وجه هذه القوة – الحقيقي أو التوهم – فيراه حقًّا أو توهمًا – ذا سلطان قوي ، يفرض عليه الولاء له ، والزلفى إليه .
ومن هنا ينشأ الدين ، وما يقوم عليه هذا الدين من عبادات ، وطقوس ، وقرابين ، ونحو هذا ، مما يتعبد به المتعبدون لمن يعبدون .
– 2 –
ومن هنا تدرك خطر العقيدة ، وخطر الآراء والتصورات التي قام عليها بناؤها في كيان الإنسان .. فإذا كانت مقدماتها صحيحة من المعقولات ، والمدركات ، والتصورات ، كانت نتائجها صحيحة في كل تصرفات الإنسان ، قولاً وفعلاً ، وسلوكًا . أما إذا كانت مقدماتها مستوحاة من تصورات مريضة ، وأوهام فاسدة ، كانت نتائجها شائهة الوجوه ، معطوبة الثمرات ، في الأقوال ، والأفعال ، والأخلاق !
أفلم تكن تلك المذاهب المنحرفة الضالة ، المخرّبة لبناء المجتمعات الإنسانية التي ظهرت فيها كالخُرمية ، والقرمطية ، ونحوها .. ألم تكن هذه المذاهب ، عقيدة ، ثم دينًا ، يتعبَّد فيه أتباعه لمعبوداتهم بالفسق ، والفجور ، واستباحة الحرمات في الأموال ، والأعراض ، والدماء ؟
ورأيي !! إنها عقيدة ، ودين ، لها قواعد ، ورسوم ، وطقوس ، تتعبد بها ، وترجو من عقائدها ما يرجو المؤمنون بالله ، من عبادتهم لله رب العالمين ، حتى يرضى الله تعالى عنهم في الدنيا والآخرة جميعًا .
ونخلص من هذا القول بأن العقيدة في ذاتها ، يمكن أن تكون صالحة ، كما يمكن أن تكون فاسدة وأن صلاحها أو فسادها إنما مرده إلى سلامة العقل أو فساده ، ويقظته أو غفلته ، واستنارة البصيرة فيه أو ظلامها ، واستعداد المرء لقبول الحق أو الإعراض عنه ، واستساغة الطيب ، أو استطعام الخبيث .
وفي الإنسان – أي إنسان – استعداد فطري لقبول الخير ، والتهدِّي إلى النور ، والتعرف على الخالق جل وعلا ، كما يقول الله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } [ سورة الأعراف ] .
فهذا ميثاق أخذه الله تعالى على الناس جميعًا ، بما منحهم من فطرة سليمة يولدون بها ، ومن عقل مصاحب لهذه الفطرة .. وفي هذا يقول الحق سبحانه : { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ سورة المائدة : 8 ] .
وبهذا الميثاق الموثق بين الله تعالى ، وبين الإنسان – بما أودع فيه الخالق سبحانه من فطرة وعقل – قامت حجة الله على عباده ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى ، في مقام الوعيد لهؤلاء الذين فسقوا ونقضوا هذا الميثاق ، إذ يقول جل شأنه : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ سورة البقرة : 26، 27 ] ، ونقض عهد الله


