وقفات مع القصة في كتاب الله
دعاء وتعـقــــــيب
بقلم الشيخ: عبد الرازق السيد عيد
الحمد للَّه الذي له الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهداية للناس كافة محمد البشير النذير ، أما بعد :
أخي الكريم ، وقفنا بك في لقائنا السابق عند اجتماع شمل الأسرة المباركة بعد افتراق طال أمده ، وحقق اللَّه بفضله ورحمته رؤيا يوسف عليه السلام التي رآها وهو طفل صغير ، وهكذا أتم اللَّه نعمته على نبيه يوسف وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق ، فتحقَّقت رؤيا يوسف عليه السلام كما تنبأ بذلك أبوه يعقوب عليه السلام من قبل .
وكان تمام النعمة ببسط سلطان يوسف على ملك مصر واجتماع أهله به في ملكه وسلطانه ودخولهم مصر بفضل اللَّه آمنين ، ولم تُنس فرحة اللقاء والاجتماع بعد الافتراق يوسف عليه السلام أن يتوجه إلى ربه بهذا الدعاء : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [ يوسف : 101 ] .
وفي هذا الدعاء الكريم فوائد كثيرة ؛ نذكر منها بعون اللَّه ما يأتي :
الأولى : اعتراف يوسف عليه السلام في هذه المناجاة بثلاث من نعم اللَّه عليه ، نعمتان في الدنيا :
1- ما آتاه اللَّه من الملك .
2- ما آتاه اللَّه من العلم والحكمة وتأويل الأحاديث .
3- فهي نعمة الدين .
الثانية :
1- في قوله : { رب } بحذف ياء النداء ؛ إشارة إلى قربه من اللَّه بحسن صلته به ، وقرب اللَّه من عباده بسماع دعائهم واستجابته .
2- في قوله : { من الملك } ؛ إشعار بأن العبد مهما أوتي من مُلك وعلم فهو قليل بجانب ملك اللَّه وعلمه .
الثالثة : في قوله : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } .
أي خالقها ومبدعها على غير مثال سابق ، فبكلمتك سبحانك خلقتها وبيدك أمرها ، ولك القدرة التامة عليها وعلى أهلها .
الرابعة : في قوله : { أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ } ؛ اعتراف وإقرار بولاية اللَّه له ؛ أي بنصره وتأييده في الدنيا والآخرة ، وقال الشيخ ابن عاشور في (( تفسيره )) : ( وجملة : { أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ } من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء ، فالمعنى : كن وليي في الدنيا والآخرة ) .
الخامسة : في قوله : { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } ؛ إشارة إلى النعمة العظمى ، وهي نعمة الانتماء إلى الدين الحق ؛ دين الإسلام ، ويطلب من اللَّه الثبات عليها حتى الممات .
وهذا يذكرنا بقول أبويه من قبل إبراهيم وإسماعيل حين قالا : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] .
وكذلك بوصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما : { يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [ البقرة : 132 ] .
وبقول المؤمنين من قوم موسى حين واجهوا جبروت فرعون فقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } [ الأعراف : 126 ] .
وبقول حواريِّ عيسى حين قالوا : { نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 52 ] .
وبقول نبينا محمد 0َه سبحانه للمؤمنين من أمة محمد حين قال سبحانه : { اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [ آل عمران : 102 ] ، فهذه مسيرة الأنبياء على مر التاريخ أولها متصل بآخرها ، وآخرها يشهد لأولها ، فاللَّه واحد ، ودينه واحد ، وهو الإسلام ، والأنبياء والمرسلون جاءوا بهذا الدين ، والمؤمنون في كل زمان ومكان طلبوا من اللَّه أن يموتوا على هذا الدين ؛ دين الحق دين الاستسلام لرب العالمين ، وإسلام القلب والجوارح له سبحانه وتعالى ، ومسيرة الحق يؤيد بعضها بعضـًا ، وهكذا طلب يوسف عليه السلام من ربِّه أن يتوفاه على هذا الدين ؛ دين الإسلام ، وأن يلحقه بالصالحين من عباده الذين ماتوا على هذا الدين فيجتمع في جنة الخلد مع آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومع إخوانه من الأنبياء والمرسلين من لدن آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمد بن عبد اللَّه النبي الأمي ومن الصالحين من عباد اللَّه الذين ماتوا على هذا الدين ، بهذا الدعاء الجليل من الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ختم السياق القرآني الكريم قصة يوسف عليه السلام ، ثم بدأ في تعقيب وتذييل لاستخلاص العبر والدروس ، ولنا معه الوقفات التالية :
الأولى : مع قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْ


