باب السنة
يقدمه فضيلة الشيخ / محمد علي عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
الصبر على المصيبة
عن أنس رضي الله عنه قال : اشتكى ابن لأبي طلحة ، فخرج أبو طلحة إلى المسجد ، فتوفي الغلام ، فهيأت أم سليم – بضم السين – الميت وقالت لأهلها لا يخبرن – بتشديد نون التوكيد – أحد منكم أبا طلحة بوفاة ابنه .
فرجع إلى أهله ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه . قال : ما فعل الغلام ؟ قالت خير ما كان . فقربت إليهم عشاءهم فتعشوا ، وخرج القوم . وقامت المرأة إلى ما تقوم إليه المرأة . فلما كان آخر الليل قالت : يا أبا طلحة : ألم تر إلى آل فلان ، استعاروا عارية ، فتمتعوا بها ، فلما طلبت – بالبناء للمجهول – كأنهم كرهوا ذلك . قال : ما أنصفوا . قالت : فإن ابنك قد كان عارية من الله ، وإن الله تبارك وتعالى قبضه . فاسترجع رحمه الله .
فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رآه قال : بارك الله لكما في ليلتكما . فحملت بعبد الله . فولدته ليلاً . وكرهت أن تحنكه – بتشديد النون – حتى يحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فحملته غدوة ومعي تمرات ، فوجدته يهنأ أباعر له فقلت يا رسول الله إن أم سليم ولدت الليلة فكرهت – بتاء التأنيث الساكنة – أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أمعك شئ ؟ قلت تمرات عجوة . فأخذ بعضهن ، فمضغهن . ثم جمع بزاقه فأوجره إياه ، فجعل يتلمظ – بتشديد الميم على وزن يتجمع – فقال : حب الأنصار التمر . قال : قلت سمه يا رسول الله ، قال : هو عبد الله رواه البخاري وأصحاب السنن واللفظ لأحمد .
تعريف بالأعلام
1- أنس بن مالك :
ابن النضر الأنصاري من قبيلة الخزرج . كان عمره نحو تسع سنين حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، مهاجرًا إلى المدينة . وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، وكان يسمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه التسمية تعجبه ويفخر بها . جاءت به أمه : أم سليم وقالت : يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له . فقال : ( اللهم أكثر ماله ، وولده ، وبارك له فيما أعطيته) فكان من أكثر الأنصار مالاً وولدًا . ومات عن عمر طويل بلغ مائة وثلاث سنين .
وقال عن نفسه : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي أف قط . وما قال لي لشئ تركته لم تركته ، ولا لشئ صنعته لم صنعته ؟
روى الترمذي عن أبي جلدة قال : قلت لأبي العالية : أسمع أنس من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خدمه عشر سنين ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين ، وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك . حمل أنس حديثًا كثيرًا فروى له 2286 حديثًا اتفق الشيخان على 168 حديثًا وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين ومسلم بواحد وستين . فهو رضي الله عنه أحد المكثرين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2- أم سليم :
بنت ملحان بن خالد الأنصارية ، وهي أم أنس ، اشتهرت بكنيتها . ويقول ابن حجر ، اختلف في اسمها . قيل مليكة وقيل سهلة ، وقيل الرميصاء .
تزوجت في الجاهلية مالك بن النضر ، فولدت أنسًا ، ولما أسملت مع السابقين من الأنصار غضب زوجها مالك وخرج إلى الشام فمات بها ، ثم تزوجت بعده أبا طلحة . روى أحمد في مسنده عن أنس قال : إن أبا طلحة خطب أم سليم قبل أن يسلم . فقالت يا أبا طلحة : إني قد آمنت ، وشهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن تابعتني (أسلمت مثلى) تزوجتك . قال : فأنا على ما أنت عليه . فتزوجته أم سليم ، وكان صداقها (المهر) إسلام زوجها . ولما قال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . قالت أم سليم : يا أنس زوج بتشديد الواو – أبا طلحة ، فزوجها . وفي ذلك دليل على أن النكاح لا يتم إلا بولي – كالأب والابن مثلاً ، وكان صلى الله عليه وسلم يزور أم سليم فتتحفه بالشئ تصنعه له . وسئل النبي في ذلك فقال : إني أرحمها : قتل أخوها وأبوها معى . رضي الله عنهم أجمعين .
3- أبو طلحة :
اسمه زيد بن سهل محمد بني النجار الأنصاري الخزرجي ، قال عنه القرطبي : شهد بدرًا وما بعدها . وكان ماهرًا في الرماية ، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل .
تزوج أم سليم على النحو الذي ذكرناه آنفًا – واعتبرت أم سليم إسلامه مهرًا لها – وكان من خيرة الأنصار . وقيل إنه قتل يوم حنين عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم .
معاني المفردات
هيأت الميت : من غسل وكفن ثم غطته .
الغلام : كان طفلا فطيمًا لأبي طلحة من أم سليم وهو أخ لأنس من أمه ، واسمه حفص .
اشتكي ابن لأبي طلحة : مرض .
وقامت المرأة إلى ما تقوم إليه المرأة من التزين والتصنع لزوجها فدنا منها وأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته .
استعاروا عارية : شيئًا ينتفع به على أن يرد عند الطلب .
قال أبو طلحة – ما أنصفوا : لأن الواجب المبادرة برد العارية لأهلها


