باب السنة
يقدمه
فضيلة الشيخ
محمد على عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
حكم عمل المخطئ والناسي
عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) متفق عليه وراه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه.
معاني المفردات
تجاوز : عفا وتسامح، وصرف المؤاخذة عن المسئ.
أمتي : الأمة الشعب العظيم من الناس، وأمة محمد هي التي آمنت برسالته، واتخذته أسوة وقدوة، وأمة التوحيد هي التي لم تشرك بالله شيئاً، وأمة القرآن هي الأمة الإسلامية التي استضاءت بنور القرآن، فعملت به، وأحلت حلاله وحرمت حرامه، ونظمت أمورها على شريعته.
الخطأ : أن يفعل الإنسان عملاً من غير قصد ولا نية.
النسيان : عدم تذكر الشئ، والسهو بمعناه أيضاً.
المعنى
كل عمل بنية من فاعله : يثاب عليه، أو يعاقب عليه. قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 96]. وقال تعالى في عمل السيئة (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)) [الشورى: 40] وقال جل شأنه في آية الأنعام (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأنعام: 160] .
والعمل الصالح يشترط في فعله صحة الإيمان، وسلامة العقيدة، فمن عمل صالحاً بعقيدة فاسدة، كأن يصرف دعاءه إلى غير الله تعالى. فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، لأن العمل مشروط بصحة الإيمان. قال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الزمر: 65-66].
ومن رحمة الله بعباده أن جعل السيئة بمثلها ما لم يتداركها فاعلها بالاستغفار والتوبة إلى الله تعالى. قال جل شأنه (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110].
غير أن هناك أعمالاً محرمة، لا يؤاخذ الله عليها فاعلها ولا يعذبه على ما ارتكب من الاثم، وهذه الأعمال حصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من الناس، ورفع عنهم آثار أفعالهم.
1- صدور العمل من المخطئ دون قصد.
2- عمل الناسي.
3- المكره على فعل شئ بغير إرادة منه.
فالمخطئ دون قصد : كمن قتل نفساً خطأ، أو أخطأ الصائم عند المضمضة فدخل الماء إلى جوفه دون قصد، أو أكل الصائم في يوم غائم قبل الغروب ظنا منه أن الشمس غربت.
قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: 5] . وفي اجتهاد العالم أو الحاكم : إذا اجتهد أحدهما فأصاب كان له أجران . وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر.
ودليل ذلك ما روي عن عمرو بن العاص : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول (إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وحكم فأخطأ فله أجر) متفق عليه.
أما الناسي : كمن أكل أو شرب أثناء صيامه ناسياً، فإنما أطعمه الله وسقاه. أو نسي في صلاته شيئاً لا يبطلها، كمن نسي رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، أو نسي التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، أو نسي التورك في جلسة التشهد الأخير، أو نسي افتراش قدمه اليسري في الجلوس بين السجدتين، أو في الجلوس للتشهد الأول. فإن ذلك لا يبطل الصلاة ولا يحتاج إلى سجود السهو. أما إذا نسي الجلوس للتشهد الأول فصلاته صحيحة، وعليه سجود السهو بعد الصلاة.
وإذا نسي صلاة حتى خرج وقتها، فلا شئ عليه إلا قضاؤها. لقوله صلى الله عليه وسلم (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها. لا كفارة لها إلا ذلك).
فالنسيان ترك التذكر بلا قصد، ثم العلم بالشئ بعد النسيان، فهو غير مؤاخذ على نسيانه ، لأن النسيان عمل غير إرادي، والله تعالى العليم بخلقه، والذي ركب النفوس فيها، أنزل دعاء يحب أن يسمعه منا. فقال تعالى ((رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة: 286].
وليس معني رفع الاثم عن المخطئ والناسي: أنهما يعفيان عن الحقوق التي للعباد. إذ يجب على المخطئ والناسي ضمن حق الغير، كالدية في حق من قتل مؤمناً خطأ.
ولا يعتبر نسيان الدائن لحقه، سبيلاً لأن يأكل المدين مال دائنه. فمن أدي ديناً خفياً راقب ربه، وأعد عدته ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم.
وأما الإكراه على فعل شئ في قوله صلى الله عليه وسلم : : (وما استكرهوا عليه) .
فإذا حلف الإنسان ألا يدخل مكاناً معيناً، ثم ارغم ارغاماً بالقوة فح


