باب السنة
يقدمه
فضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
النهى عن المجاهرة بالمعاصى
عن أبى هريرة رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ” كل أمتى معافى إلا المجاهرين. وأن من المجانة أن يعمل الرجل عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره اللَّه. فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر اللَّه عنه” رواه البخارى ومسلم.
المفردات
المعافاة = السلامة من كل أذى سواء صدر الأذى من الناس أو من النفس. والكلمة مصدر فعله عافى معافاة على وزن مفاعلة. وهى من العفو بأن تعفو عن غيرك ويعفو غيرك عنك.
والعفو هو التجاوز عن الذنب، والمعافى بفتح الفاء اسم مفعول من عافاه معافاة وعافية.
المجاهرين = الجهر هو الإعلان والإظهار. والمجاهر بالذنب هو الذى يفعله أمام الناس من غير خجل ولا حياء. فتراه يخوض غمار الفسق والمجون ويرتاد الملاهى بلا مبالاة.
المجانة = الاستهتار وعدم المبالاة بما يقول أو يفعل.
البارحة = الليلة الماضية التى سبقت وقت القول.
الستر = ما يستتر به كالستار وغيره.
المعنى
تضمن الحديث الشريف بشرى بجزيل الثواب، وإنذارًا بشديد العقاب، أما البشرى فهى إخبار البشير النذير صلى الله عليه وسلم بعفو اللَّه ومغفرته لمن عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} ذلك أن في وجوههم بقية من حياء، إذا أذنبوا لم يجهروا بذنبهم حياء من الناس أو حياء من اللَّه، ومن ثم ترى ضمائرهم تؤنبهم، ولديهم واعظ نفسى ينصحهم، ولذا استخفوا من الإعلان، ولم يبيحوا للناس بما صنعوا من فاحشة، ولديهم لمحة من هدى تمنعهم أن يهتكوا سترًا أسدله اللَّه عليهم. هؤلاء اختفوا عن الأنظار وإن كان اللَّه محيطًا بما يعملون تراهم بأسرارهم لم يعلنوا عن جرمهم، ولم يحرضوا النفوس الغافلة حتى لا يقتدوا بفسقهم. فهؤلاء هم الذين عناهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بقوله: ” كل أمتى معافى إلا المجاهرين” أى المجاهرين بالذنب لأن ضررهم لم ينتشر بين الناس. فالعفو عنهم مأمول إذا تابوا وأنابوا وأصلحوا ما أفسدوا {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}.
أما المجاهرون بفسقهم والمعلنون بعصيانهم، والمستهترون بدينهم فتراهم يتعاملون بالربا جهارًا، ويفطرون في رمضان نهارا، ويلعبون الميسر في النوادى، ويتجاهرون بترك الصلوات، ويتناولون الرشوة سرًا وعلانية، ومن النساء من تخلع عن نفسها برقع الحياء فتبدى محاسن جسمها ومفاتن زينتها للناظرين. أولئك ومن على شاكلتهم ممن يزاولون التمثيل الرخيص والرقص الخليع: مطرودون من رحمة اللَّه تعالى معرضون لبطشه في الدنيا والآخرة {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
وأشد من ذلك وأنكى من يجهر بالدعاء لغير اللَّه، ويشد الرحال لقبر من القبور، أو ينذر نذرًا لقبر لا يملك نفعًا ولا ضرا، أو يدعو ما لا يملك حولاً ولا طولا، كما يفعل الصوفية من اتخاذ القبور مساجد مغالاة في حب الصالحين، وطمعًا في بركة أو شفاعة، ولكن البركة والشفاعة لا يملكها إلا اللَّه وحده، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرا ( لا يخفى على فطنة القارئ أن هذه الأعمال من باب الشرك باللَّه، واللَّه عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} ).
إن المجاهرين بالمعاصى قد تمكن الشر من قلوبهم، وامتزج بلحومهم ودمائهم، وتعدوا حدود اللَّه،ومن يتعد حدود اللَّه فقد ظلم نفسه. وإذا كان الجزاء من جنس العمل: كان لا بد أن يتخلى اللَّه عنهم، ويتركهم لشياطينهم {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} لأن التوبة عندهم غير مأمولة، وقد لا يموتون وهم مسلمون، وذلك بأن يدركهم الموت وهم على غير حال الإسلام والعياذ باللَّه.
وبدلاً من أن يتخذوا ستر اللَّه عليهم، فيرجعوا إلى التوبة والندم: راحوا يقصون على أمثالهم من أهل الفسق والمجون ما فعلوه في ظلمة الليل البهيم، ويكشفون بأنفسهم ستر اللَّه الذى أسدله عليهم.
كما أن كثيرًا من شباب اليوم لا تجمعهم إلا رابطة الخلاعة والاستهتار، وأن معنى النبوغ عندهم هو التمكن من اصطياد الخليلة والعشيقة في الليل، والانحدار بها في مهاوى الرذيلة، حتى يقضى الليل في لعنة اللَّه وملائكته حتى يصبح، فإذا اجتمع بأقرانه نهارًا تحدث بما فعل، فخورًا بما اقترف من فسوق وعصيان.
لقد أضحت الإباحية أمرًا عاديًا بين الشباب والشابات، حتى بات الرقص فنًا جميلاً، والتمثيل المقرون بالتقبيل وضم الصدور ضربًا من الفنون التى تستحق التقدير والإعجاب.
وخلاصة القول أ


